خوفًا من تحرر الطالبات، هل الانغلاق هو الحل؟!

6 يوليو , 2018

كان في مدرستنا الثانوية طالبة وأخواتها في مختلف المراحل الثانوية الثلاثة. وكن معروفات بانغلاقهن على أنفسهن وحيائهن الشديد. لم تكن إحداهن معي في الفصل نفسه، ولكن من تعاملي معهن كنت ألحظ دومًا حيائهن الزائد، وتلعثمهن أثناء الحديث. ولاحقًا أخبرتني إحدى المدرسات التي تدرس لإحدى هؤلاء البنات، أن والدهم شديد في التعامل معهم، وأنه لا يسمح لهن بالخروج وحدهن، حتى الذهاب إلى المدرسة كانت تصحبهن والدتهن أو هو.

 

وأضافت المدرِّسة أن الفتاة مضطربة نفسيًا وتعجز تمامًا عن الاعتماد على نفسها في كثير من أمورها الشخصية، على رأسها الدراسة. فالفتاة لا تستطيع فتح كتاب أو قراءة درس بما في ذلك اللغة العربية، إلا أن تكون أمها بجانبها! فأسفت لحالها وعجبت لتفكير والدها. وكثير من الفتيات ضِعْن مع الأسف خاصة في مرحلة الإعدادية (المراهقة)، والثانوية (المرحلة الحساسة) بين تحرر مفرط، وانغلاق خانق.

 

فكيف لا تحسن فتاة قاربت العشرين من العمر، عمل أي شيء، وفي عمرها من تتزوج، وتنجب، وتكون مسؤولة بشكل كامل وكلي عن بيت وزوج وأطفال. للأسف، يكون غرض الكثير من الآباء حفظ بناتهن وأولادهن من الشرور. لذا، ترى الكثيرين يلجأون هذا الزمان للتعليم المنزلي، وحتى العمل من المنزل. ولا بأس في هذا طالما استطاع الآباء ضمان هذا الحفظ والصون حتى نهاية العمر، فلا يتعرضن للأذى ولا يضطررن للتعامل مع الناس!

 

ولكن هذا غير وارد بحال، لذا وجب السماح بشيء من التفتح والتعامل في الحياة ومع الناس والمجتمع، طالما حرصت الفتاة على دينها وأخلاقها.

 

ومن أجل المواقف التي تدل على أهمية خوض التجارب والانخراط في الحياة هو أن خليفة المسلمين عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأل عن رجل أراد أن يوليه عملاً فقيل له: “يا أمير المؤمنين، إنه لا يعرف الشر”. فقال عمر لمحدِّثه: “ويحك! ذلك أدنى أن يقع فيه”. ومن هنا وجب توعية فتياتنا وجعلهن ينطلقن في الحياة تحت إشراف الآباء، فينتهي الأمر بأن يعرف هؤلاء الشر فيتقينه، ويستكين الآباء، عوضًا عن أن يقوموا بحجب بناتهن عن الشر، فيعجزن عن رؤيته ومعرفته، ومن ثم يقعن فيه!

 

في المقابل، حياة بلا رقابة!

من جهة أخرى يأتي التحرر المؤذ، وعدم الرقابة الصارخة من قبل الآباء، فيتركن الفتاة تأتي وتخرج دون رقيب أو حسيب. كما أن الدروس الخصوصية في الثانوية تكون حجة لمزيد من المال ومزيد من الخروج. وللأسف فليس جميع الطلبة حريصون على العلم والتعلم، فينتهي الأمر بصرف المال على أحلام شخصية كشراء هاتف ومحمول، والخروج في نزهات مع الأصدقاء والتعرف على شباب طائش. علاوة على أن الكثيرات من الفتيات كن يأتين إلى المدرسة بلباس يخالف الزي المدرسي وحتى الأخلاقي ـــ إن صح التعبير ـــ وحين كانت المشرفة الاجتماعية تحادث هؤلاء، كانت الفتيات يخبرنها في ثقة أن أباها من أوصلها، أو أن أمها هي من اشترته لها!

 

وكما تتوجس المجموعة الأولى خيفة من الفساد والانفلات، فإن الثانية تخشى من عواقب المنع والحرمان والتطلع إلى ما عند الآخرين.

 

ومن الأمثلة الطريفة التي أذكرها فيما يخص هذا الأمر، هو أنه في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” المبني على رواية بنفس الاسم لإحسان عبد القدوس، يُعرف الأب بحرصه الشديد على بناته فلا يسمح لهم للخروج إلا للمدرسة! فكانت النتيجة أن شعرت البنات أنهن في سجن، وكن يرين الزواج مهربًا، فما إن سنحت فرصة الزواج لبعضهن حتى وافقن دون تردد هربًا من “سجن” الأب، ورغبة في الحرية.

ولكن مع الأسف فشلت الزيجات بسبب طمع المتقدمين في مال الأب. فقد جاء التعسف والانغلاق في غير محله والشاهد هو أن كثيرًا من الآباء المتحررين قد يملكون نوايا حسنة، ولا يريدون لبناتهن أن يصلن لتلك المرحلة.

 

ولكن الحقيقة هو أنه يوجد حل وسط لهذه الإشكالية بلا إفراط ولا تفريط! فعلى الآباء أن يرشدوا بناتهن ويرسموا لهن ملامح الطريق من وحي تجاربهم وحكمتهم، ثم يتركهن ليسرن على جسر الحياة، آخذين في الاعتبار أنهم قد يقعن هنا أو يتعثرن هناك، ولكن طالما كانت علاقتهن بالله قوية، والعلامات الإرشادية واضحة، وحرص الآباء وثقتهم وتفقدهم لهن حاضرًا، فليثق هؤلاء أن بناتهن بإذن الله ما زلن بخير، ما نوين الخير، وإن زَلَلْن!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك