طلع سلاحك متكامل

23 نوفمبر , 2015

منذ حوالي الشهرين استمعت لتلك الأغنية التي تندرج تحت تصنيف فن “المهرجان” الذي انتشر في مصر في السنوات الأخيرة، ويتميز المهرجان بالموسيقى الصاخبة والرقصات المميزة المصاحبة لكل أغنية، وأصبح أغلب الشباب والفتيات أيضًا متقنين له ومبدعين في تصميم حركات جديدة ثائرة تتناغم مع موسيقى المهرجان.

جذبتني الأغنية بلحنها وأصوات الشباب الثلاثة المؤديين لها، كنت أسمعها في كل مكان تقريبًا: السيارات والتوك توك والمقاهي، وبالتأكيد في الأفراح.

شاهدت الكثير من الصور الساخرة على كلمات الأغنية وأبرزها “ولاد سليم  اللبانين في كل حتة مسمعين”، والتي تتماشي بكل تأكيد مع ظاهرة انتشار الأغنية في كل مكان في مصر تقريبًا ليسمعها الجميع، بعض هذه الصور يحمل قدرًا من العنصرية اعتاد البعض مهاجمة فن المهرجان به منذ ظهوره لأسباب سأشرحها لاحقًا، والبعض الآخر يحمل حسًا ساخرًا لطيفًا ومقبولًا لا يحمل عداء لهم.

أحب فن المهرجان، أقدر كثيرًا ما يقوم به هؤلاء الشباب من محاولات للتعبير عن مجتمعهم المهمش دائمًا والمعامل باحتقار من طبقات اجتماعية مختلفة عنهم تصف نفسها بكونها أرقى منهم.

شاهدت حلقة في برنامج مع الإعلامي “خيري رمضان”، استضاف فيها نجوم هذا المهرجان الذي استمعت إليه واكتشفت أن اسمه هو “مافيش صاحب بيتصاحب”، تحدث معهم عن نجاح أغنيتهم وانتشارها وعن حياتهم وأسرهم ومجتمعهم.

في البداية أحب أن أوضح أنه لا مشكلة لدي في الاختلاف في وجهات النظر أو حتى العقيدة لأن كل إنسان لديه الحرية في الإيمان بما يقتنع به، كذلك كل شخص لديه الحق في الانتقاد بموضوعية لأي عمل كان، بما فيهم هذه السطور التي أكتبها، وبالتأكيد الأمر ينطبق على أغاني فن المهرجان، ولكن لدي مشكلة حقيقية في انتقاد الأشخاص لا أفعالهم أو أعمالهم. يمكنك القول بأن هذا المقال بائس وفقير، ولكن لا يمكنك الحكم على شخصيتي بكونها سيئة أو جيدة لإنك لا تعلم ما بداخل نفسي، ولا تعلم باقي أفعالي، في الواقع لا يوجد شخص لديه الحق في الحكم على أي شخص آخر.

وهذا ما لم يحدث مع أبطال مقالي اليوم، لماذا اخترت الكتابة عنهم؟ هل هناك ما يربط بين قصتهم وبين مجال التعليم؟ بكل تأكيد! كيف؟ لنكتشف معًا، ففي نهار هذا اليوم الذي شاهدت فيه الحلقة قرأت على مجموعة متخصصة لطلاب مدارس المتفوقين في مصر منشورًا لأحد الطلاب يعترض على استضافتهم والاهتمام بـ “الأشكال دي” على حساب العلماء والطلاب المميزين المتفوقين.

كنت قد اشتركت في المجموعة لمتابعة تطورات عملية التقديم في هذه السنة لهذه المدرسة التي لا تتلقى سوى عدد بسيط من الطلاب في كل عام ليلتحقوا بها بناء على درجاتهم المرتفعة في المرحلة الإعدادية، هي عملية تصنيف غبية أكرهها لإنها تحكم على الطلاب من خلال نظام تعليمي متخلف من منهم الأصلح للالتحاق بنظام تعليمي متميز يحترم العقول حقًا -بحسب علمي- في هذه المدارس التي أقامتها الدولة مؤخرًا.

ذلك الطالب الغاضب يشعر بالضيق بسبب اهتمام الإعلام بهم على حسابه لأنه المتفوق ومشروع العالم المستقبلي!! وهنا تتلخص مشكلتي، بعيدًا عن كرهي واحتقاري لمعاملة هذا الفن وهؤلاء الشباب بدونية نظرًا لكونهم فقراء أو غير متعلمين، ينظر أغلب المتعلمين لأنفسهم نظرة الآلة الأعظم، يحمل العلم فلديه الحق في التعامل بفوقية مع الجميع، خاصة هؤلاء “الجهلة” الذين يريدون إفساد المجتمع بآرائهم وفنهم السوقي، يجب أن ينصبّ كل الاهتمام عليهم فقط لا غير.

يشكوا الطالب من عدم الاهتمام الإعلامي بهم، ولدينا إعلام عربي لا يستحق التعليق على طريقة سيره، وينسى أن الدولة رغم الظلم في المعاملة لجميع طبقات الشعب تقريبًا إلا أنها وفرت لهم ولأمثالهم من الطلاب قدرًا من التعليم المميز المدعوم بمبلغ مالي كبير، في حين قامت بتهميش كامل لمجتمع هؤلاء الشباب البسطاء. ويوجد لدى هذا الطالب من يهتم به ويؤهله منذ ولادته لهذه المكانة، بينما يولد الآخرون منتظرون مصيرًا مجهولًا، لا يوجد أي ضمان لتحقيق أي نجاح أو تطور في حياتهم، لا يوجد ضمان حتى لتحقيق أبسط شهادة تعليمية. إن شابين وطفلًا أعمارهم لا تتخطى العشرين استطاعوا بفضل من سبقوهم في هذا الفن ومجهودهم الشخصي من إيصال صوتهم والتعبير عن مجتمعهم بكلمات لا أدري ما مشكلتها تحديدًا مع الكارهين لها، فهي تصف حالة الغدر وعدم الأمان لشخص ما، وكيف يمكن له التصدي لهذه الحالة بـ “سلاحه المتكامل” وفي النهاية يختمون المهرجان بتقديم التحية بذكر أسماء أصدقائهم “الجدعان”، كعادة الكثير من هذه الأغاني والتي أحب سماعها كثيرًا، وأشعر بالامتنان لوجود هذا التقدير بينهم، أيًّا كانت المصطلحات التي تغضب فئة من الشعب، والذين يسبون بأفظع الألفاظ في مواقف مختلفة غير الأغاني، لا توجد لدي مشكلة في سماعها لفهم هؤلاء الفنانين، الذين تحمل كلماتهم قدرًا من الصدق والصراحة أكبر بكثير من أغاني الحب والغرام المصطنعة التي يُنفق عليها الملايين ولكن للفئة الأكثر “رقيًا” من الفنانين.

يغضب البعض من مظهرهم، يرون أنهم يتسببون في تشويه شكل الشباب بأسلوب ملابسهم الذي يقلدهم فيه الكثيرون. اتصل أحدهم بالبرنامج ليمنحهم وصلة وعظ عن قصة الشعر الحلال بدلًا من قصتهم التي يظهرون بها، لا يدري غالبًا بأنهم من يقومون بتقليد الشباب الأكثر رقيًا أو ثراءً في طريقة ملابسهم وقصات شعرهم لا العكس. أشعر بالضيق مع كل اتصال يهاجمهم دون الانتقاد بموضوعية لنوع الفن وألحانه وأدواته المستخدمة، وطريقة تراص الكلمات وطبقات الصوت وطريقة الأداء، من المفترض أن يتم انتقاد فنهم على هذا الأساس، لا انتقاد أشخاصهم!!

يبتسمون بإحراج مع كل هجوم، يتحدثون بفرحة غامرة مع مقدم البرنامج عن شعورهم وعدم تصديقهم لكونهم يظهرون ليشاهدهم الملايين، يحكون عمن ساندهم وساعدهم في حياتهم. تأتي الاتصالات السعيدة من وجهة نظري من أهلهم وأصدقائهم الفخورين بهم، يتحدثون عن “جدعنتهم” ورجولتهم في العمل ومساعدة أهلهم في الإنفاق عليهم وإعالتهم، لا يوجد من يوفر لهم ثمن الدروس الخصوصية في المراكز المتخصصة كالطالب الغاضب الذي يشكو الإهمال. يتحدثون بتواضع ويتقبلون الانتقاد والهجوم، ويرون بأن البعض لديه الحق في حديثه، نبرة حديث توضح لك شعورهم بمدى الفجوة التي يدركونها بينهم وبين من يهاجمهم، نظرتهم لكل شخص متعلم على أنه “أستاذ” أو “أستاذة” يجب احترامه وتقديره. كم أتمنى لو أشرح لهم بأن هؤلاء هم مجموعة من البلهاء المغرورين الحمقى الذين يكفرون بالمعنى الحقيقي للعلم، العلم الذي يزيد الإنسان تواضعًا ويشعره بصغر حجمه في هذا الكون. أقسم بأنني لو قابلتهم يومًا سأتحدث إليهم في هذا الشأن. وحتى هذا الوقت سأخبر أمثال هذا الشاب الغاضب دائمًا بأنه مهما تعلم سيظل جاهلًا ولن يستطيع يومًا أن يثق في كونه قادرًا على أن “يطلع سلاحه المتكامل” مثلهم في أي مواجهة لأنه لا يرى سوى نفسه، يؤمن بإقصاء الآخرين للسيطرة والظهور، بينما يمكنه بكل بساطة أن يقدم رسالته هو الآخر ويعمل على نشرها، ويترك الاختيار للأفراد، شخص يكفر بالحرية التي لن ينالها يومًا لا هو ولا مجتمعه طالما يفكرون بهذه الطريقة.

قد يبدو طرحي للموضوع سطحيًا وبعيدًا عن عدة نقاط يتم مناقشتها بخصوص هذا الشأن، ولكن هذه رؤيتي له في النهاية من جانب التعليم. فلنعترض ونختلف كما نشاء على الأفكار والأساليب التي يتخذها الآخر للتعبير عن رأيه. هل لنا أن نؤمن بأننا نحيا جميعًا في أرض واحدة ولا داعي للتناحر والعداء طوال الوقت لإثبات من الأفضل؟ خاصة مع السادة طلاب العلم الغاضبين الساخطين الكارهين دائمًا لأي نوع من الاهتمام لنجاح غيرهم بسبب إهمال الدولة التي لم يعد إهمالها أمرًا جديدًا علينا في أي مجال وخاصة العلم؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك