عن الغش وفضيحة تسريب امتحان شهادة الباكالوريا بالمغرب : إلى متى ؟

12 يونيو , 2015

استيقظ المغاربة على خبر تسريب امتحان الرياضيات لشعبة العلوم التجريبية لنيل شهادة الباكالوريا برسم الموسم الدراسي الحالي، ليفتح من جديد ملف تسريب امتحانات الباكالوريا والنقاش المحموم الذي يصاحبه كل سنة.

منذ اقتراب موعد انطلاق امتحانات الباكالوريا بالمغرب، وكلا الطرفين يعدان العدة للحرب الضروس، المقصود هنا بطبيعة الحال وزارة التربية الوطنية في مواجهة التلاميذ، الأولى التي قالت أنها ستواجه حالات الغش بصرامة، والتلاميذ الذين استعد عدد كبير منهم للامتحان بطرق غش جديدة لا مثيل لها.

وهكذا عرضت مندوبيات التعليم في الثانويات التي ستشهد اجتياز هذه الامتحانات، أجهزة كشف عن ذبذبات الهواتف المحمولة التي تعد أخطر سلاح يستعمله الطلبة للغش، وهي الأجهزة التي لا نراها سوى في المطارات الدولية أو المواقع الحكومية الحساسة، فجاء رد التلاميذ عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن الحل لإبطال مفعولها سهل وبسيط جداً، إذ يكفي وضع الهاتف في وضعية “الطيران” أو إطفاء ملتقط (الجي بي إس) لمراوغة الجهاز الذي تتفاخر به الأطر التعليمية.

بصفتي مدوناً ذو علاقة وطيدة بوسائل التواصل الاجتماعي، فقد فوجئت بالكم الهائل من الصور لطلبة “يستعدون” للامتحانات، لكن ليس بالمراجعة والتحصيل، بل بـ “حروز” وهواتف نقالة وأجهزة تواصل ذات تقنية عالية، يتفننون في إلصاقها بأجسادهم بطرق غريبة تذكرك بإرهابيي وانتحاريي “داعش”، والطريف هنا أنك تجدهم يشيرون للمصور بعلامة النصر، كما لو أنهم فعلاً يستعدون لتنفيذ عملية انتحارية أو شيء من هذا القبيل..

لم تتوقف الأمور عند هذا الحد، فقد تم إنشاء صفحات فيسبوكية تحمل عنوان “تسريبات” يعمد منشئوها على “مساعدة” التلاميذ بتصوير الامتحانات فور توزيع الأوراق على المترشحين والعمل على إرسال الحلول في أسرع وقت ممكن، وهم أيضاً يصورون أنفسهم أمام حواسيب محمولة وقد أخفوا ملامحهم باللثام، كما لو كانوا مقاتلين في كتائب القسام مستعدين لتنفيذ عملية ضد العدو الإسرائيلي.

مناظر غريبة وعجيبة تعطينا لمحة عن واقع التعليم في هذا البلد السعيد، لكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد

تناقلت هذه الصفحات فجر يوم الامتحان،أي ساعات قبل اجتياز التلاميذ لامتحان مادة الرياضيات، تناقلت خبر تسريب موضوع الامتحان، 6 ساعات بالضبط قبل انطلاق الامتحانات، ما منح فرصة كافية للكثيرين لحل الموضوع، لينفجر الوضع صباحاً بعدما رفض عدد كبير من التلاميذ اجتياز الامتحان في عدة مدن كالدر البيضاء ومراكش، بعدما فوجئوا بأن الإشاعات كانت صحيحة وأن الامتحان هو نفسه، ما دمر تكافؤ الفرص بين الجميع، بين من عمل وسهر الليالي بجهد وكد لليوم الموعود، ومن تحول لديهم الامتحان إلى مجرد واجب منزلي قاموا بنقل أجوبته نفسها صباح الغد.

ثارت ثائرة التلاميذ وأولياء أمورهم، فكان الحل الوحيد أمام وزارة التربية الوطنية الإعلان عن إعادة امتحان مادة الرياضيات يوم الجمعة المقبل، رغم أن المسألة أعقد بكثير مما يتصور البعض، فمن المفهوم مثلاً تسريب موضوع الامتحان بعد دقائق من انطلاقه بفعل تطور الهواتف النقالة وشبكات الإنترنت، لكن التسريب 6 ساعات بالتمام والكمال قبل انطلاق الامتحان دليل على أن الأمر يتعلق بشبكة منظمة لها أذرع طويلة داخل الوزارة نفسها، رغم كل التدابير التي تتخذها بالتكتم والسرية الشديدة على مواضيع الامتحان وعدم فتح الأظرفة إلا دقائق قبل الانطلاق، وشخصياً لا أستبعد أن يكون للأمر علاقة بتصفية حسابات سياسية وحزبية يدفع ثمنها الطالب والتلميذ البسيط، فمن الواضح أن غرض البعض تشويه صورة الحكومة والوزارة المعنية وتصويرها كغير القادرة على ضبط الأمور المتعلقة بهذا الاستحقاق الهام.

على أية حال، مناقشة أسباب تفشي ظاهرة الغش بين التلاميذ تحتاج لمجلدات، لكنني سأكتفي بالقول هنا أن الطلبة لا يتحملون وحدهم كامل المسؤولية، فهي تقع بالدرجة الأولى على عاتق المنظومة التعليمية الفاشلة التي تدمر التلاميذ ولا تمنحهم فرصة إظهار مواهبهم وتعمل على حشو عقولهم بالمفيد وغير المفيد من الدروس، أنا في رأيي الشخصي أرى أن طلبة يتفننون في ابتكار وسائل غش جديدة ليسوا “أغبياء”، بل “الأغبياء” حقاً هم المسؤولون عن هذه المنظومة التعليمية التي رمت ببلادنا إلى قاع الترتيب في مقياس جودة التعليم بالشرق الأوسط، فليتم إصلاحها أو إعادة بنائها من جديد، وبعدها لكل حادث حديث



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك