في مدارسنا العربية: قليل من الرومانسية لن يضر

24 مارس , 2017

تنبيه هذا المقال شخصي للغاية ويُعبر عن تجربة شخصية رومانسية للكاتبة.

 

 

أثناء فترة عملي كمُعلمة للصفوف الإعدادية واجهت العديد من المواقف التي كانت تشعرني دومًا بالدفء والحب الشديد من قِبل طلابي، حتى إنني أصبحت أتعجب من سؤال البعض لي أحيانًا عن تجاربي العاطفية، وهل سبق لي الوقوع في الحب أم لا؟
إجابتي في خاطري دائمًا هي “نعم، وهناك الكثير من الحب الذي يغمرني طوال الوقت” لكن هذه الإجابة تحتاج لشرح طويل، لذلك اختصرها بقول “لا” لم يسبق لي الوقوع في الحب مع أحد الأشخاص من قبل.

شاهدت فيلم أمريكي يحكي عن قصة زفاف كبير تُحضر له عائلة مكونة من 3 أبناء وأم وأب منفصلين، الأب على علاقة عاطفية مع صديقة قديمة للأسرة، والأم أصبحت تهوى السفر والتعلم، تحدث العديد من المفارقات في التحضير للزفاف منها الكوميدي ومنها الدرامي والرومانسي، ولكن في نهاية الفيلم تجد أن مشهد النهاية يجمع العديد من أفراد العائلتين (عائلة العروسين) يرقصون سويًا في تناغم هاديء وبسيط، وتلتفت الأم لتخبر الكاهن صديق العائلة الذي أتم مراسم الزفاف وتخبره (كنت على حق في إخباري بأن هناك أنواع عديدة من الحُب).

سبق وأن ذكرت بأنني أحب الأفلام البسيطة الهادئة، والتي قد يعتبرها البعض غير قوية أو تحمل فكرة عميقة، وأنا كذلك لا أراها هكذا، لكن الأفكار العظيمة التي تجعلك قادرًا على استكمال حياتك بقوة هي أبسط مما تعتقد.

نبحث عن التعقيدات في المشاعر والحب الضائع بينما هو حولنا طوال الوقت في الكثير من الأحيان.

لماذا أتعجب من السؤال؟ لأنني أؤمن تمام الإيمان أنني اختبرت مشاعر الحب الحقيقي في الكثير من المواقف ومع الكثير من الأشخاص حتى وإن لم يتمثل هذا الموقف مع شاب يرغب في مشاركتي حياتي.

ولا لن أتحدث عن حب أمي الذي يعلم الجميع أنه لا يعوض ولا يمكن مقارنته بأي نوع من الحب. لكنني سأتحدث عن حب طلابي، عن رغبتهم في إسعادي طوال الوقت حتى وإن لم أكن المُعلمة الأفضل أو الأكثر مثالية.

ذات يوم قمت بسؤال الطلاب عن إذا ما كان أحدهم يحمل معه صدفة (وردة) لأنني أرغب بعمل شيء هام بها، لا أذكر تحديدًا ما هو الأمر الذي كنت أرغب في فعله ولكن كنت بحاجة حقًا لوردة.

في اليوم التالي في الصباح وجدت (شهاب) يطلب الحديث معي قبل بدء اليوم الدراسي، وفاجأني بتلك الوردة التي يحملها بين يديه و يمنحني إياها وهو يخبرني (أنا قطفتها النهاردة من الجنينة بتاع البيت مخصوص علشانك، مش كنتي عايزة ورد؟)  

أما الصغير يوسف الذي يدرس في الصف الأول الابتدائي ويعاني من أحد أنواع الإعاقة الجسدية والكلامية، كان يجلس بجانبي أثناء تدريب الكاراتيه يشاهد زملائه، سألته لماذا لا تنضم إليهم؟ فأجابني إنه سيخبر والدته بالأمر، وفي التدريب التالي وجدته يتدرب مع زملائه بالفعل، هذه اللحظة من أسعد وأعظم لحظات حياتي بالفعل، لم أتوقع أن يأخذ حديثي على محمل الجد، هو صغير لم يتخطى عمره الست سنوات، كما أنه يعاني من مشكلة جسدية توقعت أن تجعله يشعر بالحرج منها ويرفض التدريب مع أقرانه، ولكنه لم يفعل، بل بالعكس كان الحماس يملأه في كل تدريب وكنت أحرص على مشاهدته وتشجيعه.

حتى بعد أن تركت المدرسة لم تنته لحظات الحب هذه من حياتي، ففي صباح يوم العيد وبعد أداء الصلاة وأنا في طريقي للعودة للمنزل شاهدت ثلاثة من طلابي (أدهم ويوسف ويوسف) وهم واقفون مع أصدقائهم الشباب، ترددت في الذهاب للسلام عليهم، فلربما يشعرون بالحرج أمام أصدقائهم، قررت السير في طريقي فورًا فوجدت يوسف يقاطع طريقي ويمد يده بالسلام سريعًا وهو يصيح قائلًا “ميس آية!” تلاه أدهم ثم يوسف الآخر. لم أستطع التحدث من سعادتي، وبعد أن رددت السلام وتحية العيد شعرت بأنني أحلق مع الطيور في سماء يوم العيد، لقد صُنع عيدي اليوم بهذه الابتسامات والسلام الصادق من قلوبهم النقية.

لماذا تقوم أغلب المعلمات بالسب واللعن طوال الوقت على طلابهم ووصفهم بأنهم يحيلون الحياة لجحيم؟

هناك نمط أشخاص شهير للمعلمات التي لم يتزوجوا ويشعرون بالحزن طوال الوقت لأنهم لم يجدوا شريك الحياة الأنسب ويعملون في المهنة الأسوأ في التاريخ مع مجموعة من الشياطين الذين يجب الصراخ عليهم طوال الوقت حتى يكفوا أذاهم عن المعلمات.

فقط اتسائل هل حاولوا من قبل الاستمتاع بالحياة معهم؟ وسؤالي لا يحمل صيغة استعلاء أو حُكم على شخصياتهم أو ظروفهم المعيشية التي لا أعلمها، ولكني أتعجب حتى من نماذج المعلمات اللائي كنت أتعامل معهم في المدرسة، معلمات الابتدائي يصرخن ويسبون ويلعنون ويذكروني بالشخصيات الشريرة في أفلام الرسوم، أقسم بأنني كنت أخشاهم كما يخشاهم الصغار في المدرسة تمامًا، وأحيانًا كنت أتذكر أنني أصبحت أكبر سنًا الآن ويمكن أن أتدخل لحل المشكلة أو وقف هذا العنف.

ختامًا، ربما تحمل مهنة التدريس الكثير من المشاكل، ولكنها أيضًا فرصة للحصول على أكبر قدر من مشاعر الحُب بأنواعه المختلفة، لذلك قليل من الرومانسية لن يضر.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك