قبل أن تأخذ بأسباب التعلم: أي أسباب؟

20 نوفمبر , 2016

جرت سنة الله تعالى في الكون بأن يجعل لك مُسبَّب سببًا، ويجعل من التعبد له أن يبذل المؤمن الوسع في استنفاد الأسباب المستطاعة امتثالًا له تعالى لا للأسباب، لذلك من كمال التعبد عدم التشنج لصور النتيجة، وتعليق الرجاء بالله تعالى وفضله وحده.

عند محاولة التنفيذ، تجد أن الإشكال يبدأ أول ما يبدأ – قبل التعلق بذوات الأسباب والتلهف لعين النتائج – في نوع الأسباب التي نسلكها لابتغاء أمر ما. ذلك أن التبعية للعرف والسائد وما جرت عليه العادة قد حول كثيرًا من صور الممارسات لأمر ما لأصول أسبابه، وسنة الله تعالى قد جعلت لكل أمر سببًا متوقفًا ومتعلقًا بطبيعة الأمر نفسه لا صور الممارسة التي قد تصيب وتخطئ. وصدق سيدنا عبد الله بن مسعود في الأثر: “وَكَم مِن مُريدٍ للخيرِ لن يصيبَهُ“.

مثلًا، عندما يسعى طالب لتعلم لغة ما، تجد “الأسباب” المتعارف عليها هي المسارعة بالتسجيل في كورس أو تتبع المدرسين الأعلى كلفة أو حشد مكتبته بالكتب وجهازه بالمواد اللغوية … إلخ. وحقيقة الأمر أن هذه كلها صور ممارسات شائعة لمن يريد التعلم عامة أو تعلم اللغات خاصة، بل هي كذلك ممارسات في غالبها خاطئة المنشأ والمبدأ والمنتهى، لذلك يندر أن تثمر ثمًرا نافعًا مهما بذل المرء وسعه في الأخذ بها، فتأمل!

إن حقيقة الأسباب الموصلة لتعلم لغة ما، تتعلق أول ما تتعلق بالعلم، ثم بطبيعة اللغة. فالذي لا يملك مفاتيح العلم الأولية من جدية ذاتية ومسؤولية فردية وحرص على النظام والمثابرة والصبر على النتائج والمنهجية في الطلب…، لا تنفعه أي أسباب “خارجية” في أي نوع من العلوم كانت، لأن العلم لا يُسقى بملعقة وإنما يطلب بشق النفس. وقد ينبغ طالب في أصعب ظروف التعليم وفي غياب كفاءة المعلمين، لجِده في الطلب الذاتي وعزمه على البلوغ وصدق استعانته بالله، ولا يتعلم آخر مهما كان معلمه حائزًا على شهادات عالمية!

وأما ما يتعلق بطبيعة اللغة، فأول الأسباب الموصلة للتمكن من اللغة هو الممارسة المتوازية مع البناء العلمي، وليست المنفصمة عنه. فكم من دورات تقوم على الممارسة بمعنى ترك الطالب يَهطِل بالكلام على علته، زاعمين أنه مع الوقت “يكتسب” الصواب! ومنذ متى كان الوقت وحده يغير أي شيء بلا أن يغيره الإنسان نفسه! إن الإنسان مستعصٍ على أي تغيير خارجي ما لم يكن له منبع من الداخل وصدى في النفس. فلا بد أن يحيط الطالب نفسه بممارسات لغوية صائبة يحاكيها هو في البداية، قبل أن ينطلق في الممارسة بمفرده، فيسمع كثيرًا ويقلد ما يسمع، وينتبه للتراكيب وهو يقرأ ويمضي على نسقها في إنشائه، وهكذا. بل إنه لن يفيد إذا بدأ بالاستماع والقراءة للمواد الصعبة أو العميقة، وكثير من الدورات تعتمد عيون الأدب وأمهات الكتاب في التدريس  وهذا مخالف لقوانين تطور اللغة ناهيك أن يكون من أسباب تطويرها! فلا بد من المرحلية والمنهجية بأن يُعامل كل متعلم للغة ما على أنه كالطفل فيها، فيترقى في مراحلها كالطفل في التعامل مع لغته الأم، وبالتالي لا يعود اكتساب اللغة عذابًا مقيمًا ومخالفة مستمرة للنهج الطبيعي في تشكيل ملكات النطق والسماع والفهم السريع.

مثل هذا النوع من الممارسة لا يملك أي معلم أن يسقيه للطالب إن لم يكن الطالب حريصًا عليه، لأن عدد ما يقضيه المرء مع نفسه من ساعات يفوق في ثماره – إذا استُثمر – ساعة أو ساعتين أسبوعيًا مع أستاذ ما. فضلًا عن أن الطريقة الأولى طريقة عرجاء تجعل الطالب تابعًا لمستوى أستاذه في مادته، فلا عجب أن يكتسب منه ما عنده من أخطاء – وجَلّ من لا يسهو – مع ما يجمعه منه من صواب، لأنه لم يستقِ العلم من منابعه، وإنما من خلال “وسيط” قد لا يكون راسخ العلم كفاية.

لذلك كانت مناهج التعلم الذاتي وستظل هي الأكثر فعالية والأوفى ثمًرا إذا أحسن تطبيقها وأحسن الإشراف والتوجيه فيها، فهي إضافة لكونها أقل كلفة مادية، تعتمد في المقام الأول على بواعث المتعلم الذاتية وجديته الفردية، وهو ما لا يتوافر عند كثير من المتعلمين لذلك لا يتعلمون حقيقة، مهما حضروا آلاف الدورات وحازوا أوراقًا مختومة تفيدهم أهلية ليسوا منها على شيء.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك