كيف تدمر السخرية عملية التعليم؟

26 ديسمبر , 2017

يبدأ الطفل في التعرُّف على العالم من حوله، يسأل وهو لا يعرف أي شيء؛ باحثًا عمَّن يقدم له إجابات. لا يعرف بالتأكيد أنَّ سؤاله هذا قد يكون لا معنى له مع المتلقي، فهو بالطبع يخوض انطلاقته الأولى في الحياة، ولا يعرف ما يدركه الكبار. ثم يجد استجابتين لما يقول: الأولى في أشخاص يحاولون مساعدته في الإجابة، والثانية في أشخاص يسخرون مما يقول. ربما قد تأخذ هذه الإجابة لحظات من قائلها، لكن أثرها يمتد مع الشخص طوال حياته.

 

أثر الكلمة

لا ينكر أحدنا أنَّ للكلمات تأثيرًا كبيرًا علينا، مهما كان عمرنا أو خبرتنا في الحياة، لأنَّ الكلمة كالسهم، تنفذ إلى الداخل وتحطم ثقتنا في أنفسنا وشعورنا بالتقدير والاحترام إن كانت سيئة، أو تجعلنا ندرك بأنَّه يمكننا الوصول إلى كل ما نريد إن كانت إيجابية.

 

بالطبع لا يحدث هذا الأمر مع الجميع، لأنَّ هناك من ينجح في التحكم في الأثر السلبي للكلمة عليه، وهذا يأتي مع الوقت والتجرِبة، لكن يبقى الأثر السيئ موجودًا عند العديد من الأشخاص.

 

ما بالك إذن بطفل في بداية طريقه في الحياة، يتلقى كلمة ساخرة من معلِّمه أو أحد الطلَّاب، تنتقص من مظهره أو شكل جسده أو طريقة تفكيره أو غيرها من العوامل، التي لا يكون له يدٌ فيها، فهي من صنع الله، لكنه يتعرض لسخرية شديدة، فتكون النتيجة هي فقدان الثقة الحتمي في ذاته، مما يترتب عليه عدم قدرته على التعلُّم بصورة صحيحة، وفي أحيانٍ أخرى يصل الأمر إلى الانتحار.

 

منذ فترة طويلة قرأت منشورًا عند أحد الأصدقاء يتحدث عن فتاة انتحرت بسبب وصفها بأنَّها “بدينة” من معلِّمها طوال الوقت، ولم يتدخل أحد من عائلتها لمنع ذلك، لأنَّهم اعتقدوا أن الأمر مجرد كلمة عابرة، لكن هذه الكلمة كانت سببًا في إنهاء حياتها.

 

وعلى ما يبدو أنَّه مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، فإنَّ السخرية أصبحت جزءًا هامًا من الوعي الجمعي للجمهور؛ فأصبحت العديد من المواضيع تُؤخذ على محمل من السخرية، مما يمنع الشخص من أن يطرح أسئلته المتعلِّقة بالتعليم، بل إنَّه يشعر دائمًا بالخوف من ردود الأفعال عليه.

 

فمن كل ذلك نجد أنَّ الشخص قد يفقد شغفه بالتعلُّم خوفًا من السخرية، ومع الوقت لا يثق في إمكانياته ولا قدرته على فعل أي شيء

.

التقبل والتعايش.. محاولة للإصلاح

ربما تشعر بأنني ركَّزت حديثي على الأثر السيئ، وهذا صحيح؛ لأنني أؤمن بأنَّ الكلمة السيئة تصنع أثرًا عظيمًا في النفس من الداخل، وهو ما يجعلها قضية تحتاج إلى إصلاح حقيقي، وسأحاول طرح الحلول التي أراها ضرورية داخل الفصل الدراسي أو في البيت في أثناء التربية.

 

1- يجب أن يرسخ مبدأ التقبل بين الأفراد لذواتهم، فبدلًا من السخرية من طفل بسبب هيئته، يتم مساعدته لكي يتقبل ما هو عليه، وهذا الأمر يبدأ من المنزل، ثم يجب أن يظهر من كلمات المعلم للطلَّاب، وكذلك من كيفية توجيهه لبقية الطلَّاب داخل الفصل الدراسي.

 

2- في أي فصل دراسي يوجد العديد من الأشخاص، ومن المتوقع أنَّه لكلٍ منهم شخصية وفكر خاص به، وهو ما قد يعني الاختلاف التام مع الآخرين في بعض الأحيان، لذلك من المهم هنا ترسيخ مبدأ التعايش بين كل هؤلاء، وأنَّ اختلاف الشخص لا يعني نبذه عن البقية.

 

3- الابتعاد تمامًا عن مبدأ السخرية، بل رفضه بصورة قاطعة داخل الفصل الدراسي، وإيجاد وسيلة للعقاب لمن يخالف هذا الأمر.

 

4- العمل على بناء الثقة في داخل كل طفل، مثلًا التعامل مع أسئلته بجديَّة تامة، وعدم رفض أي نوع من الأسئلة مهما اعتقد المعلِّم أو الأهل أنَّه سؤالٌ بلا معنى، بل يجب أن يحاولوا الإجابة على السؤال، وإن لم يكن لديهم إجابة، فعليهم السعي والبحث المستمر ورفقة الابن من أجل الوصول إلى الإجابة الصحيحة؛ فيكونوا قدوة له في مسألة البحث.

 

5- عدم وصف الشخص بالفشل أو الغباء تحت أي ظرف، لأنَّ هذا يدمر سعيه نحو المعرفة، ويجعله يؤدي دورَ المتلقي فقط.

 

6- إيجاد آلية للدعم والتشجيع من خلال الكلمة، لتعزيز ثقة الطفل في ذاته، وقناعته بأنَّه قادر على تنفيذ أي شيء.

 

7- عدم الانتقاص من أي حلمٍ يسعى إليه الشخص، والمحاولة الجادة لإيجاد وسيلة لدعمه في طريق هذا الحلم.

 

كن أنت يا صديقي

بالطبع الجزء الأكبر من الحل يبقى في يد المنظومة، سواءً منظومة التعليم أو منظومة الأهل، لكنني أؤمن أنَّه مع تقدم العمر يصبح الشخص أكثر قدرة على فهم الأمر والتعامل معه بالشكل الصحيح.

 

لذلك عليك أن تبدأ في تقبل ذاتك كما هي، تدرك أين هي إيجابياتك بالضبط وتعمل على تعزيزها، وتعرف ما هي سلبياتك، وتعمل على إيجاد حل لها.

 

وفي أثناء تلك المحاولات، عليك أن تفهم جيدًا الأثر النفسي الواقع عليك من السخرية، وألَّا تتقبلها أبدًا، أو حتى تجعلها تؤثر على ثقتك في نفسك، من خلال تذكيرك لنفسك دائمًا بأنَّك تؤمن بأهمية أحلامِك، وكذلك تدرك جيدًا أنَّ أسئلتك لها معنى في الرحلة، وأنَّه ببساطة شديدة لا يوجد من وُلد وهو يعرف كل شيء. كنت أنت دائمًا يا صديقي.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك