كيف كان امتحان “الجغرافيا” قبل تسعة عقود؟

24 يوليو , 2014

منذ أن قرأته، وإلى اليوم لم أعرف جوابه، بل لم أعرف حتى المدينة التي يقصد بها (هلنكفورس)، فلم أسمع بها طيلة أيام دراستي الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، بل وحتى الجامعية، فسئلت من سئلت من الأصحاب فلم يعرفوا له جواب؛ يقول السؤال: سافر من البصرة إلى هلنكفورس برًا، ورجع إليها بحرًا، واذكر أهم المدن والموانئ والمضايق التي مررت عليها في كلا الطريقين مع تبيان وسائط النقل التي استعملتها في سفرتك!

زد على هذا السؤال أسئلة أخرى مثل هذه؛ ما هي الأرض؟ برهن على أنها كروية ومتحركة في الفضاء! وما هو القمر؟ وما هي الشهور القمرية؟ وما هي السنة القمرية؟ أسئلة قد تكون من أصعب الأسئلة لطلاب الجامعات، فكيف إن كانت لطلبة السادس الابتدائي!

في وقت كان يخلو المجتمع فيه من الأجهزة الحديثة والتقنية المتطورة: كالتلفاز، والمذياع، وتخلو البيوت من (الإنترنت)، ووسائل التعلم والمعرفة الحديثة، تكون تلك أسئلة امتحانهم! فكيف بمادة دراستهم يا ترى؟ سؤال آخر استوقفني! ما هي أنواع الصناعات التي يمكن أن تنمو في العراق وما هي الوسائل التي يجب اتخاذها في الصناعة العراقية؟ ناهيك عن أن بعض الأسئلة التي لا تخص البلد لتعبر إلى بلدان أخرى كهذا السؤال: ارسم خارطة إيران “طبيعية وسياسية” وأشر إلى أهم المواقع فيها!

في قراءتي الأولى لهذه الأسئلة القديمة، راجعت ذاكرتي! هل تعلمت شيئًا في مراحل دراستي السابقة والتي قضيت فيها ما قضيت من عمري تؤهلني لأكون كفء في المجتمع “جغرافيا” ولو بأبسط المعلومات! بكل تأكيد كان الجواب سلبيًا! لأن كل ما أتذكره بخصوص مادة الجغرافيا هي معلومات بسيطة لا ترقى لأن تكون في رصيد الـ “معلومات”.

أعطني أسئلة كهذه أعطيك جيلًا فاهمًا وعالمًا بأمور حياته ومقتضيات بلده، فعن أسئلة مادة “الجغرافيا” المقررة للامتحان النهائي لطلبة السادس الابتدائي للسنة الدراسية 1925! اتحدث، وتستمر الدهشة من تلك الأسئلة التي سئل فيها طلاب السادس الابتدائي، وكانوا بأعمار مختلفة، وليس كما هو عليه الحال الآن، إذ إن طلاب السادس الابتدائي تتراوح أعمارهم بين اثنتي عشر، وخمسة عشر سنة، فيقال إن في ذلك الزمن البعيد كان من يتخرج من المرحلة الابتدائية ما يؤهله، ويجعله كفء؛ للتعليم في المدارس! وخصوصًا في الفترات الأولية لبداية التعليم في المدارس العراقية، فكانت تلك أسئلتهم وآثارهم التي تدل على بعض من تلك الكفاءة!

إذن! فهذه الأسئلة هي لطلبة السادس الابتدائي قبل قرابة تسعون سنة، سئلت والدي وهو من المعلمين القدامى في التعليم المهني في العراق، عن طبيعة المدارس والتعليم قديمًا، وكيف كان طلاب في مراحل التعليم الابتدائية، هل يستطيعون الإجابة عن هكذا أسئلة صعبة! فقال لي إن هذه الأسئلة كانت في بداية مراحل التعليم في العراق، يتابع والدي حديثه ويقول؛ إن المعلم الذي تدرست على يده هو من خريجي السادس الابتدائي فقط! ولكن كان كفوء لدرجة تؤهله إلى التعليم!

جيل كانت هذه أسئلته، جيل رهيبة خزينته المعلوماتية، والمعرفيه دون شك، وهو بالفعل كفوء وقدير على تحدي الصعاب. كنت أتساءل قبل الاطلاع على هذه الأسئلة عمن خرَب البلاد ومن دمر طاقاتها التعليمية؟ ولكن بعد أن شاهدت الأسئلة هذه أيقنت بأن السبب واضح للعيان، فالمواد الدراسية، والامتحانات التي تخصها في حالة يرثى لها في عموم العراق وفي عموم الوطن العربي مقارنة مع هذه الأسئلة التي امتحن فيها طلبة السادس الابتدائي قبل حوالي تسعة عقود من الزمن!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

مي منذ 9 أشهر

هلسنغفورس هو التهجئة المزبوطة هي اسم مدينة هلسنكي في السويدي

أضف تعليقك