لماذا ندرس التاريخ؟

14 مايو , 2018

من بين كل خمس قراء لهذا المقال، أظن أنه يمكنني القول إن ثلاثة منهم على الأقل لا يطيقون مادة التاريخ. حتى مَن أنهوا تعليمهم ما زالوا يتذكرون كرههم الشديد للتاريخ. اضطررنا لحفظ أعوام وأسماء ملوك وأحداث عفا عليها الزمن بعشرات ومئات بل آلاف السنين. في هذه المقالة سأضع جانبًا كل الكراهية التي تكنها للتاريخ وسأتحدث عن التاريخ من منظور مختلف ربما لم تذق من رشفة في أيام دراستك.

 

بدلًا من أن نسأل لماذا ندرس التاريخ في المدرسة بهذه الطريقة.. دعنا نسأل لماذا ندرس التاريخ أصلًا؟ لماذا هناك مؤرخون يعملون يوميًّا على التنقيب والبحث عن القديم؟

 

نحن وفدنا على الحياة بدون دليل يرشدنا بما يجب أن نفعل وبأفضل تصرف يمكن أن نفعله لمستقبل أفضل؛ لذا نضطر للتجربة واكتساب الخبرة من أخطائنا ومحاولة فهم كل شيء من حولنا.. وأعني حرفيًّا كل شيء. نحن لا نعرف حتى كيف نتصرف نحن البشر وكيف نستجيب لتغيير ما أو قانون أو دين أو طريقة حياة. هنا يأتي دور التاريخ: معملنا لدراسة كل هذا.

 

يقدر عمر الإنسان على الأرض بـ 300 ألف عام، وأقدم رسمة وجدناها في كهف إلى الآن عمرها قرابة الـ 40 ألف عام. جزء كبير من تاريخنا ضاع مع الزمن وحتى لا نعرف الكثير عن الـ 40 ألف عام الماضية. ولكن ما نعرفه الآن وما نسعى أن نعرفه يلمِّح لنا يوميًا كيف نتصرف ونستجيب للأشياء المختلفة. في مصر القديمة مثلًا لدينا الكثير من المعلومات عن أديانهم وكيف أثرت في طريقة حياتهم وأخلاقهم وأهدافهم. يمكننا أيضًا تتبع كيف تطورت الأديان وكيف خدمتنا على مر العصور.. كيف كانت دافعًا للتطوير والبناء أحيانًا وسببًا للحرب وسفك الدماء أحيانًا أخرى.

 

يمكننا تتبع أيدولوجية الملوك والرؤساء والدول وكيف أثرت في شكل الدولة. يمكننا معرفة كيف تغير الشعب بعد أن تم غزوه من دولة أخرى: كيف تغيرت مصر مع الفتح الإسلامي مثلًا. يمكننا معرفة كيف تغيرت لغة الشعب عبر الزمن وكيف تتأثر لغة الدول المجاورة. يمكننا معرفة كيف تطورنا علميًا وصناعيًا وتجاريًا واقتصاديًا. كل هذه الاستنتاجات لا تأتي إلا من الدراسة المباشرة للتاريخ.. لأنه المكان الوحيد الذي حدثت فيه كل هذه الأحداث فعليًا.

 

كما يكتسب الإنسان خبرة على مر حياته منذ ولادته، التاريخ هو خبرتنا عن أنفسنا كبشر. ولأن التاريخ ليس بسهولة وصغر خبرة إنسان واحد في حياته، تتواجد الكثير من الأقسام التي تهدف فقط لفهم التاريخ واستغلاله في فهمنا لأنفسنا كعلوم الاجتماع والأنثروبولوجيا والآثار والأدب واللغويات وتاريخ العلوم والفنون والاقتصاد.

 

إلى جانب الفائدة العامة التي نجنيها من التاريخ، فدراستك له سيزيد من مستوى تفكيرك النقدي. في أثناء قراءتك أو دراستك لأحداثٍ ما ستجد نفسك تقارنها بالوقت الحاضر في بلدك أو بمكان وزمان آخر وتلاحظ وجوه الشبه والاختلاف. وبالطبع ستنبهر من كيف تغيِّر آرائك وتقيم الأحداث من حولك على مستوى أعمق.. لأن التاريخ ببساطة خبرةٌ.

 

إذن كيف تدرس التاريخ وحدك؟

كما رأيت التاريخ أكثر من مجرد ما حفظته وسكبته على ورقة الامتحان، وإن حقق الجزء السابق من كلامي هدفه فأنت الآن لديك بعض الشغف والفضول لدراسة التاريخ أو أي علم له صلة به. أفضل طريقة لفعل هذا في رأيي هو البعد تمامًا عن الحفظ إذا كان هدفك المعرفة فقط، وليس التخصص دراسيًا فيه… دع الحفظ يأتي مع الخبرة وكثرة التطلع.

 

وكما في أي علم: أسهل وأسرع بداية هي سؤال فضولي. ربما لديك بعض الفضول مثلًا في معرفة شخصية هتلر أو ماذا فعل أصلًا، أو في كيف استخدم الفراعنة الفلك. اجعل سؤالك هو نقطة انطلاقك لإيجاد الإجابة ومعرفة المزيد والوصول لأسئلة أكثر.

 

بعد تحديد سؤالك ابحث في أفضل وسيلة فعالة وممتعة لك للحصول على الإجابة. ربما سؤالك ببساطة أن تطرحه على “جوجل” وتجد إجابته في مقالة. في بعض الأوقات الأخرى سيكون سؤالك أوسع من أن تجد إجابته في مقالة. هنا يأتي دور الكتب البسيطة أو الدورات التدريبية على الإنترنت.

 

حاول دائمًا الاعتماد على الكتب أو الدورات التدريبية أكثر من البحث عن إجابة السؤال على الإنترنت فقط، حيث إنهم يناقشوا مواضيع أكثر.. مما يزيد فرصتك لمعرفة موضوع جديد لم تعلم بوجوده لدرجة لا تمكنك من السؤال عنه أساسًا!

 

أغلب الدورات التدريبية على مواقع مثل (Coursera) أو (edx) ستجد مادتها متاحة بالمجان لأي شخص، وستجد بسهولة دورات متنوعة بشكل كبير.. ليس فقط في التاريخ بل في علوم كالاجتماع “Sociology” والأنثروبولوجيا “Anthropology”، بل أحيانًا ستجد أكثر من دورة للموضوع نفسه! بمجرد أن تجد الدورة المناسبة كل ما ستحتاجه بعدها هو كوب من القهوة والاستمتاع بحديث المحاضر وهو يشبع فضولك!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك