لهذا أحبتُكَ معلمِي

9 يناير , 2018

 عبر سنوات عدة كان هذا نشاطي المفضل:

اقسموا الصفحة التي أمامكم قسمين واكتبوا بأحدهما ما تحبونه في شخصية المعلم وما لا تحتملونه منه في القسم الآخر.

وبعد تفحص الأوراق التي حصلت عليها بعدة تجارب متفاوتة في العمر والمرحلة الدراسية، توصلت إلى طريقة للتعامل مع قلوبهم قبل العقول، ألخصها بنقاط قابلة للتوسع، وأجد البلاغة في الإيجاز.

 

اللقاء الأول

مثلما يحدث بأي لقاء؛ الانطباع الأول يدوم طويلًا وليس من السهل تغييره؛ فاحرص أن يكون انطباعهم عنك إيجابيًّا، احرصُ دائمًا على جعل اللقاء الأول لقاءً لا يُنسى، وهذا ما يساعدني على حفظ علاقة الود معهم واكتسابهم إلى جانبي باستمرار تواصلي معهم.

 

ابدأ بالصياح، وافقد هيبتك

أرأيت طالبًا يحب صياح معلمه؟ تشتد المشاكسات بازدياد حدة صوتك وانفعالك، إنك بهذا تدفع طلابك لاستفزازك بشكل أكبر. تذكر حفيدة الطنطاوي عابدة المؤيد هذا تحديدًا في كتابها “هكذا ربانا جدي علي الطنطاوي” فتقول:

“ربما مازحنا ثم يعرِّفنا أنه حان وقت الجد، وإذا أخطأنا تارة أو تقاعسنا عن ندائه رمانا بنظرة صارمة فتردنا عن الخطأ، وإن كان الخطأ كبيرًا زاد إلى نظرته كلمات قاسيات معبرات بهدوء ودون صياح، فالصياح يفقد المربي هيبته، والانفعال يقلل من احترامه ويُدني منزلته، وكانت الأمور تقف غالبًا عند هذا الحد”.

 

وهنا أجد الفرصة مناسبة لتذكر اللحظات التي كان فيها النوم يغالبنا أثناء الحضور الاضطراري لبعض المعلمين بسبب خفوت صوته، تغيير النبرة له كل الأثر في جذب من تخاطبه ولكل موقف نبرة تناسبه، قد تحتاج للهمس أحيانًا وللترقيق والتفخيم والتباطؤ والتسارع، حافظ على وضوح كلماتك فقط، هذا ما يحتاجونه منك بالدرجة الأولى.

 

مفاجأة كل مرة

لكل متعلم فضول، ونكون أمام خيارين تجاهه: إما أن نقتله بالتجاهل أو أن نحييه بالإشباع والتوجيه، ولك أن تخمن فرق النتائج بينهما. إحدى نجاحات المعلم أن يكون الدافع وراء مزيدٍ من الفضول تجاه ما يقدمه، بكل لقاء يكون لديه ما هو جديد، يفاجئ طلابه بأمرٍ يبتكره أو معلومة يعطيها. من إحدى عاداتي المفضلة ابتداء النقاش بـ”معلومة مفيدة” قد تكون غير متعلقة بالمحتوى الفعلي للدرس أو قد تكون “دعونا نرى السبب” لأعود إليها بمنتصف الدرس أو آخره، كانت فرحتي لا توصف بمجرد كلمات عندما وقع بين يدي دفتر صغير من إحدى الطالبات وقد دُوِّنَتْ فيه جميع المعلومات المفيدة التي ابتدأت بها دروسي على مدار العام؛ فيه من التنوع ما يجعله متعة لقارئه!

 

وصدَّقَهُ العَمَلُ

ما من شيء يفسد ثقتهم بك أكثر من قولك البعيد عن فعلك، باعد بينك وبين الوعود التي لا تنوي تحقيقها أو التهديدات لمجرد الترهيب وحسب، سيعتادون الكذبات المتوالية ولن يعود لأي كلمة بعد هذا أي معنى، فإن وعدت فِ بوعدك.

 

ابتسامتك، أكثر من صدقة

هو انحناء صغير يعلو وجهك ليستقر في قلوبهم، وأذكر أمرًا طريفًا هنا؛ عندما كنت في المرحلة الإعدادية كانت مدرِّسة اللغة العربية مقطبة الجبين دائمًا، وبإحدى المرات رأيناها تضحك مع مدرِّسة أخرى، فانتشر الخبر في كامل المدرسة أن معلمة اللغة العربية (مثلنا) بإمكانها أن تضحك! اكسب صدقة بابتسامتك، قد تكون السبب بإضاءة مشرقة في عالم مظلم لأحدهم.

 

والقلوب تمل كما الأبدان

إنني كثيرة المتابعة لأنشطة المحاضر David Malan المتخصص في علوم الحاسب بجامعة هارفارد البريطانية، ويدهشني ما يقوم به مع طلابه؛ قد يذهبون للتخييم أو يلعبون كرة القدم أو يستمتعون بالسباحة معًا. مهما كبرنا يبقى اللعب متعةً لنا ورياضةً لأجسادنا وأرواحنا، قد تكون فرصة جيدة لنا بمشاركتهم أنشطتهم وألعابهم دون أن نفقد احترامنا عندهم.

 

قد يسلب هاتفك حقهم

من أكثر ما لفت انتباهي بما “أكره بالمُدرس” تكرار عبارة: “انشغاله بهاتفه” والكثيرون حقًّا يضيعون “حقًّا”، أجد أنها فكرة صائبة بإغلاق الهاتف مؤقتًا أو إبقائه صامتًا لحين انقضاء الدرس، اجعل من التقنية أداةً بيدك لا دليلًا لتفريطك، إذ تسهل الأجهزة الذكية خفيفة الحمل العملية التعليمية، وتجعلك قريبًا من عالمهم.

 

مظهرك يعزز جوهرك

كما هو الحال في الأنظمة التقليدية، يكون المعلم هو المحور، وتتفحَّصه العيون بدقة من أعلى ناصيته لأخمص قدميه، فإن لم يكن بمظهر أنيق فهنا تكمن الكارثة، وخاصة معلمة الفتيات، وتبادر لذهني ما قرأته منذ عدة أيام في أحد الكتب: “الأناقة ليست بتكلفة ملابسنا بل بالطريقة التي نلبسها بها”، بعيدًا عن التكلف الذي سيشغل الكثيرين ويكون مصدرًا لتشتيت انتباههم وتركيزهم، يكفيك لباس نظيف بسيط بألوان متناسقة.

 

أخبرني “لماذا” قبل “ماذا”.. حقًّا، لماذا تعلمني هذا؟

 

 

إن كنت قد استفدت من هذا المقال ولديك بعض الأفكار بما يخصه فأضف له ما يجعله أكثر إفادة 🙂

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك