لَمْ أَكُنْ أُحِبُّ التَّعْلِيمَ!

9 أكتوبر , 2017

عندما كنا صغارًا كانت لعبتُنا المفضلةُ أنا وأخواتي هي (المدرسة) تلك التي نمثل فيها أدوار الطالبات والمدرسات ونتبادلها معًا، إلا أنني عندما وعيتُ وكبِرْتُ لم أفكر أن أصبح معلِّمة أبدًا لأسباب كثيرة، لم تكن موضوعية، لكنها كانت جيدة بالنسبة لطفلة لم تجرب شيئًا في الحياة، ولم تختبر التعامل مع الآخرين..

بعض الأحلام الطفولية التي تجعلنا نتخيل أن الطبيب شخص ذو هيبة عظيمة، تليق بتلك الشخصية التي نخافها، وتعطينا الحقن والنصائح التي لا نحب.. أو أن المهندس رجلٌ يرتدي بذلة فخمة، ويُشرف على مشاريع ضخمة، ويدير اجتماعات كبيرة.. خيالات طفولية كانت تحكم أحلام كل منا.. بالنسبة لي كانت المعلمة هي ذاك الشخص المنهك دائمًا، الذي يشتكي من الطلاب المشاغبين والكُسالى، والإدارة المتطلبة والمهام الكثيرة التي تُطلب منهم باستمرار، وحفلات التخرج نهايةَ كل عام، والبقاء لساعات إضافية في العمل، أو اصطحاب أوراق المذاكرات والتحضير للمنزل؛ فلم تكن مهنةً مثيرة للاهتمام بالنسبة إلي على الإطلاق.. اللهم إلا في مرة واحدة حين طلبَتْ منا معلمة اللغة العربية في المرحلة الابتدائية كما في كل عام أن نكتب موضوع تعبير عن (ماذا تريد أن تصبح في المستقبل؟) حينها لم أرغب في كتابة الكليشهات التي يكتبها الجميع التي يريدون من خلالها أن يصبحوا أطباء عظماء! لكني غُصْتُ في أحلامي عميقًا، وتخيلتُ لمرة واحدة في حياتي أن أكون مدرِّسة كما أحبُّ أن تكون المدرِّسات، وليس كما كنتُ أرى حقيقة.

غابت هذه الصورة عن ذهني طويلًا، سنوات طويلة حتى قررت في يوم من الأيام دراسة الكيمياء، ليس لأكون معلِّمة بل لأكون كيميائية؛ لأنها الفرع الذي يتيح لي فرصة عمل غير التعليم، وهذا ماكنت أهرب منه، لكن لا بد مما ليس منه بُدٌّ.

بعد سبع سنوات من العمل في التعليم في أماكن مختلفة ولفئات عمرية مختلفة، ورغم أني ما زلت أحمل ذات القناعة التي عرفتها حين جربت العمل في شيء آخر غير التعليم فإني قناعتي أن التعليم هو شغفي الذي أستمتع به، وهو المجال الذي يمكن أن أبدع فيه وأكون أنا نفسي كما أريد لها أن تكون، وكما يحب الله أن أكون.

عرفتُ لماذا لم أرغب في زمن ما أن أكون معلمة؟ ولماذا حاولت الهروب من قدري؟ عَرَفْتُ الأمر بعد خوض تجارب متعددة، وفشل ذريع في البدايات، ومحاولات للنجاح ما زالت مستمرة حتى الآن.

 

الرتابة

مناهج تتغير ظاهريًّا ولا تتغير المعلومات، وطلاب جدد كل عام، ورتابة محددة لا يمكن الخروج عنها من بداية العام حتى نهايته، مع الامتحانات ومشاهد مكررة باستمرار أمام أعين المدرسين، حتى أن بعضهم قد ينسى بعض طلابه من كثرة ما يمر عليه من الطلاب بعد سنوات عدة، وقد لا يصدق حين يجد بعضًا منهم قد دخل إلى الجامعة.

محاولة تغيير هذه الرتابة وكسرها من خلال ابتكار الوسائل الجديدة دائمًا في إعطاء الدروس تساعد المعلم قبل الطالب؛ فهي تُشعره بالتجدد، وهذا التجدد يحيي في داخل النفس روحًا جديدة، ويبعث فيه الشغف من جديد، والحماسة التي تدفعه لعمل شيء مميز، وترك بصمته الخاصة بين الطلاب.

الرتابة تقتل الشغف، وتميت الروح التي تحيي المدرِّسة والطلاب معًا؛ فلا تتركوهم فريسة له في الدروس أو الأسلوب أو حتى نظام المدرسة.

 

مجتمعات وأنظمة لم تعد تعطي الأستاذ قيمته

قديمًا قالوا: من علمني حرفًا كنتُ له عبدًا! واليوم يقولون: الطالب دائمًا على حق! وشتان بين عصر كان فيه للأستاذ هيبتُه، حتى خارج المدرسة من طلابه والمدير وكل من له علاقة وليس له علاقة بالتدريس. وبين عَصْرٍ بات فيه الأستاذ يهابُ طلابَه، ويخاف هذا الذي لوالده مركزٌ مرموق، أو تلك التي والدتها تقدم تبرعات كبيرة للمدرسة، أو تملك سيطرة على المديرة؛ فلا يملك حق توجيهه أو حتى لومه على أي خطإٍ يرتكبه، بل ووصل الأمر في بعض الدول إلى طلاب يضربون أساتذتهم! فأي كرامة بقيت لورثة الأنبياء؟

لن أدخل في مقارنات بين الدول التي تعتبر مهنة المعلم بعد الوزير مباشرة، ويتقاضى راتبًا مهولًا وبين الدول التي ليس فيه للمعلم أية حقوق، وراتبه هو من أدنى الرواتب في السلم الوظيفي والأقل تقديرًا في المجتمع.

أذكر أنه في بدايات القرن الفائت كانت الأسر تفخر بأن يتقدم لخطبة بناتها من يعمل بالتدريس وتفضله على التاجر، والآن يذهب المدرِّس، ويتقدم لخطبة فتاةٍ على استحياء من مركزه ومهنته، وربما مع تبرير وتوضيح لوضعه، وأنه يستطيع القيام بعمل إضافي آخر وكأن الأمر يحتاج للتبرير!

 

لا يقدِّر المعلِّم مثلُ المعلِّم

لا أظنُّ أن أحدًا يتخيل كمَّ الإرهاق والطاقة التي يبذلها المدرس من روحه وقلبه وهو يعطي الطلاب الدرس، هو لا يعطيهم معلومات فحسب؛ بل يضع حجرًا من بناء شخصياتهم المستقبلية، ويشارك في تكوين أفكارهم وأحلامهم وآمالهم، هو يبذل جزءًا منه في كل مرة، ورغم ذلك ما زالت الأنظمة التعليمية تحمِّل الأستاذ ما لا طاقة له به، وتطالبه بمهام متعددة وتحضير دروس ووسائل تعليمية والإشراف على الطلاب ومتابعتهم، وتحمِّله مسؤولية أيِّ خطإٍ قد يحدث، وبعض الناس ينسى أنه إنسان له طاقة استيعاب وقدرة على التحمل وليس رجلًا آليًّا، فحتى الرجل الآلي يحتاج للراحة والصيانة بين الحين والآخر.

هذا لا يبرر للكثير من الأساتذة أن يدرِّسوا طلابهم بطريقة سيئة وسطحية ودون اكتراث لمن فهم أم لم يفهم، لكن ما أقوله موجَّهٌ لمن يعتبر أن عقول هؤلاء مسؤولية وأمانة بين يديه، وكل كلمة بل كل حركة يقوم بها قد تترك أثرًا في أحد من الطلاب إيجابيًّا أو ربما سلبيًّا.

لا أعرف مهنة تترك أثرًا مباشرًا في الأجيال كما تفعل مهنة التعليم، وهي توازي دور الأهل في التربية في المنزل؛ ففكر جيدًا قبل أن تكون معلمًا، وقبل أن تتحمل هذه المسؤولية على كاهلك، ربما هي المهنة الوحيدة التي لا ينفع معها أن تعاملها بطريقة تجارية، فإن لم تكن أهلًا لها قادرًا على إعطائها حقها والقيام بها حق القيام، ففتِّش عن غيرها ولا تتبع مقولة (أحبب ما تعمل إلى أن تعمل ما تحب) فالتعليم إما أن تحبه من البداية أو لا، ولن تحبه مع طول العشرة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك