مدارس تشجع الطلبة على الوشاية والرِّشوة!

5 يناير , 2018

يُعوِّل الكثير من الآباء على قيام المدارس إلى جانب التعليم النظامي، بتلقين أبنائهم المبادئ السامية والأخلاق الرفيعة. والسؤال الذي لم يفكر كثيرٌ منهم في طرحه: هل تقوم المدارس بذلك حقًّا؟!

 

عندما كنا صغارًا في المدرسة، وتحدث مشكلة في الفصل، أو شجار بين الطلبة أو حالة سرقة… إلخ، كان المدرسون والمسؤولون يطلبون منا دومًا ذكر أسماء زملائنا المتسببين في المشكلة أيًّا كانت علنًا، أي الوشاية بهم! ولكنهم طبعًا كانوا “يجمِّلون” الأمر في عيوننا، ويخبرونا أننا بذلك نساعدهم بصفتنا مربين على “تصحيح الخطأ”، و”مساعدة زملائنا” بتسليمهم “للعدالة” أي إدارة المدرسة!

والآن أُدرك كم كانت تلك عادة سيئة وغير سوية تلك التي علمونا إياها، وجعلوها تبدو صفةً نبيلة محببة، يجب على الجميع أن يتحلَّى بها! كانوا يوهموننا أن الوشاية بزملائنا الذين يفعلون السوء، تساعدهم وتساعد أولياء الأمور على تصحيح المسير، وما كنت أراها إلا تفرق الأصحاب، وتخلق العداوات، وتؤلب الأهل على أولادهم، والمدرسين على طلبَتِهم!

 

هذا الحدث تم منذ ما يقارب عشرين عامًا، ولكن الوضع للأسف لم يتغير كثيرًا حاليًّا؛ فمنذ سنوات قلائل عملتُ في مدرسة للغات، وبينما كنت في مكتب المديرة مرة في بداية توظيفي، دخلتْ فتاة في المرحلة الإعدادية، ووَشتْ بأحد المدرسين عن فعل خاطئ قام به، وعلى ما أذكر كان كلامًا قاله على مدرس آخر (أي نميمة ووشاية في آن) فما كان من المديرة إلا أن حيَّتها على “جرأتها”، وطلبت منها بأن توافيها بأي “مستجدات” مستقبلًا!! فلا تعنيف، ولا توجيه، ولا تفهيم بفَدْح الخطأ الذي ارتكبته، مع العلم أن مصاريف هذه المدرسة في تلك المرحلة العمرية تتجاوز عشرات الآلاف!

 

وموقف آخر، ولكنه ورد في سياق أحد الأفلام، وإن كان لا يخلو الواقع من نظير له. فقد حدث أن طالبًا نجيبًا وآخر سيءَ السمعة شَهِدَا بعض الطلبة المشاغبين وهم يقومون ببعض أعمال الشغب ليلًا قريبًا من مبنى المدرسة، واكتشفا لاحقًا أنه كان مقلبًا في المدير. وفي اليوم التالي، بعد انتهاء المقلب، تم إعلام المدير بأن هذين الطالبين شهدا الواقعة، ولما أحضرهما للشهادة رفض الأول ذكر الأسماء لنزاهته، أم الطالب الثاني فقد رفض حمايةً لهم، حيث كانوا أصحابه.

 

فما كان من المدير إلا أن تكلم مع الشاب النزيه لاحقًا على انفراد ورشاه، وذلك بأن عرض عليه أن يسهل له الحصول على منحة دراسية مستغلًا ظروفه المادية، مقابل أن يشي بأسماء الفاعلين. ثم طلب من الشاب أن يفكر في الأمر. وفي القصة تفاصيل كثيرة، ولكن خلاصة الأمر أن الشاب رفض العرض!

 

وفي الاجتماع التأديبي للمدرسة، أنصفه المجلس بعد أن ترافع عنه أحد أصدقائه (من غير زملاء المدرسة)، ووضَّح لمسؤولي المدرسة بأنهم مخطئون بتشجيع الطلبة على الوشاية ومكافأة من يشي بزملائه، وهكذا قرر المجلس تبرئة الشاب النزيه، ومعاقبة الشبان المشاغبين على ما بدر منهم، بعد أن وشى بهم صاحبهم، وطبعًا لم يؤيد المجلس التأديبي تصرف الشاب الواشي.

 

من الجلي إذن أن في الأنظمة التعليمية الكثير من الخلل، وسوء الإدارة، والاستغلال المادي والمعنوي. ومن المخزي بمكان ألا يدرك الكثير من الآباء هذه الحقيقة المرة، وهم سعداء بدرجات أبنائهم المرتفعة، وإتقانهم للغة أجنبية أو اثنتين!

 

ويجب أن تدرك الأنظمة التعليمية من جهة، أن واجب غرس المبادئ الإنسانية والقيم النبيلة يقع بشكل كبير على عاتقها خاصة، والإنسان يقضي معظم عمره بين جدران المؤسسات التعليمية على أمل أن يتخرج في النهاية “إنسانًا” و”نافعًا”!

 

ومن جهة أخرى فعلى الآباء أن يكونوا متيقظين لما يتعلمه أبناؤهم في المدرسة من قيم وأخلاق، فالحياة وتعاملاتها لا تتضمن مسائل الفيزياء، وخريطة العالم، ودروس النصوص في اللغة العربية. وإنما الحياة عبارة عن معارك ومواقف إنسانية يظهر فيها جوهر معدن الإنسان، وصلابة مبادئه، ونقاء ضميره، وحسن أخلاقه، وعلى هذا فاحرصوا أيها الآباء والمربون يرحمكم الله!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك