مدرسة البحاروة – الفأر الصغير والساحرة

15 سبتمبر , 2017

مدرسة البحاروة .. حُلم طال انتظاره

مدرسة البحاروة – صدف ومفاجآت

في المقالين السابقين حكيت عن قصتي مع مدرسة البحاروة، وكيف بدأت القصة برفض أمي لزيارة المدرسة أو التطوع بها، وفي الجزء الثاني كيف تحقق حُلمي في زيارتها بعد صدف ومفاجآت سعيدة وغير متوقعة بمساعدة صديقتي الجديدة “هدير”.


بعد زيارتي للمدرسة وتعرفي على “ديدي” صاحبة الفضل الأول في إحياء هذه القرية الصغيرة على أطراف مدينتي، وإعادة الأمل للأطفال في الحصول على تعليم يليق بهم، وبمساعدة إحدى الجمعيات التنموية المصرية المميزة “ومن أحياها” استطاعوا سويًا تنفيذ أول مدرسة مجتمعية رسمية لتدريس الأطفال هُناك.

قررت بعد ذلك زيارة “ديدي” والأطفال مرة أخرى للتعرف عليهم عن قُرب والاستمتاع بمنظر النيل الساحر الذي يطل عليه منزلها الرائع البسيط، وما يزيده سحرًا هؤلاء الأطفال الذين يشغلونه طوال النهار ليلعبوا ويتعلموا اللغة الإنجليزية ويمارسوا الأنشطة المختلفة ويساعدوا “ديدي”.



ترحاب هادئ


ما يُميز “ديدي” بحق هو ترحيبها البسيط والهادئ بكل من يرغب في زيارة منزلها والجلوس معها أو مع الأطفال، الأمر في غاية البساطة، كُل ما عليك هو الذهاب والاستئذان بالدخول والتعامل باحترام مع جميع من في الداخل.

ذهبت للتحدث معها، وأخبرتها أنني قادمة للحديث مع الأطفال والكتابة عنهم، واستئذنتها في الجلوس قليلًا لمشاهدة النيل قبل الحديث معهم.

تجمع بعض الأطفال حولي بعد قليل ليتعرفوا علي ويسألوني إن كنت واحدة من المُعلمات الجدد اللاتي يأتين لتعليمهم، فأجبتهم بأنني مجرد صديقة لـ “أبلة هدير” وأرغب في الحديث معهم عن تجربتهم في المدرسة.

“أنت من مصر زي أبلة هدير؟” كان هذا أكثر سؤال يطرحه الأطفال علي عند بداية حديثهم معي، فأجيبهم بأنني مثلهم تمامًا، من “العياط” أسكن في المنطقة الفلانية، هل تعرفونها؟ هل لديكم أقارب هناك؟ وتستمر الأسئلة لوقت قصير في محاولة الوصول لشخص مشترك نعرفه سويًا، لنكسر حاجز الاختلاف ويبدؤوا في سرد قصصهم لي.

عبلة

فتاة سمراء جميلة في الثانية عشر من عُمرها، في الصف السادس الأزهري، تبدو أكبر قليلًا من هذا السن بسبب طولها، وذكائها في الحديث، تتحدث معي بهدوء وخجل عن تجربتها في المدرسة، وبداية تعرفها على “ديدي” وتحكي لي
“جئت إلى هُنا وأنا في التاسعة أو العاشرة من عُمري، ولم تكن هُناك مشاكل مع أمي في إرسالي إلى منزل ديدي للعب والتعلم…

 أمي تحب كل الناس، وتُحب ديدي، لم تخشَها أو تخف منها، وشجعتني على زيارتها باستمرار. في البداية لم أكن أستطيع التحدث بالإنجليزية بشكل مُناسب، ولكن بعد فترة طويلة من التعامل مع ديدي، تطورت وأصبحت أفهمها بشكل أفضل.

كانت تتحدث معي بكلمات بسيطة مثل “No” وبعدها أذهب للمنزل فيخبرني أخي بأن معنى هذه الكلمة هو “لا”، واستمر الوضع هكذا حتى أصبحت أستطيع أن أجري حديثًا معها. والآن أنا أقوم بتدريس الأطفال الآخرين اللغة الإنجليزية، بعد أن كانت ديدي تبحث عن مُعلمة للأطفال من نفس المدينة، فقمت أنا بهذا الدور بعد أن أصبحت أفضل من يتحدث الإنجليزية في الأطفال.”


سألتها عن إن كانت تُفضل مدرستها الأزهرية أم زيارة مدرسة “ديدي”، فأجابتني بأنها تحب المدرستين، فُهناك لديها أصدقاء يحبونها، وهُنا كذلك، وتتعلم الكثير في المدرستين.


أما عن جدولها اليومي في الإجازة وكيفية الحرص على تنظيم وقتها بوصفها مُعلمة وابنة لفلاحين يعتمدون على أبنائهم بشكل كبير لمساعدتهم في المنزل والأرض، فأخبرتني أنها تستيقظ في كل صباح وتفطر مع أسرتها وتترك مهام غسيل المواعين لأختها، لتأتي للمدرسة في تمام الثامنة صباحًا، وتجلس لتدريس الأطفال الآخرين حتى الحادية عشر، ثم يأتي دور اللعب حتى الساعة الواحدة، وبعدها تعود للمنزل وتساعد أهلها، وتأتي مرة أخرى في المساء، قبل أن تغادر نهاية اليوم لتنام وقبل أن تنام، لا تنسى دورها في غسيل المواعين ليلًا.



الفأر الصغير والساحرة

بعد أن أنهيت حديثي مع “عبلة”، جاءتني فتاتان يبدو عليهما الفضول، فجلسا ليعرفاني بأنفسهم، هُما ابنتا عم، وكُل واحدة منهما تملك اسمين بدلًا من اسم واحد، وهُناك طفل أصغر منهما بقليل يُدعي “محمد” هو ابن عمهما الثالث، وهذا العم هو الكهربائي الذي قام بأعمال الكهرباء الخاصة بمنزل “ديدي” بالكامل، ومنذ ذلك الوقت يأتي بابنه ليتعلم الإنجليزية مع “ديدي” وفي بعض الأوقات تأتي الفتيات معه ليلعبوا، واليوم هم يتمرنون من أجل تلك المسرحية التي ستُعرض الأسبوع القادم ويُشارك بها عدد كبير من أطفال “عزبة البحاروة” وغيرهم من المترددين على منزل ديدي قادمين من المدينة الأم “العياط” مثل الفتاتين وابن عمهما الصغير “مُحمد”.


أكثر ما لفت انتباهي هو نشاط “مُحمد” المستمر أثناء حديث الفتاتين معي، يقفز على يديه مرة، ويتشقلب للدرجات بالأسفل تجاه النيل مرة أخرى، وأنا أخشى عليه فأحاول منعه وتحذيره، وهو يطمئنني بأن كل شيء على ما يرام.

أخبرتني الفتاتان أن “ديدي” تُطلق عليه لقب “The Small Mouse” أو الفأر الصغير، وتطلق على أكثرهم نشاطًا لقب الساحرة أو “The Witch” لأنها كثيرة المشاكل كذلك.


بعد قليل جاءت “ديدي” لتخبر الفتاتين بضرورة ذهابهن لتمرين المسرحية، وسألتني إن كان بإمكاني الجلوس مع “محمد” والحديث معه باللغة الإنجليزية ليتمرن قليلًا على ممارسة اللغة، فهذا هو مبعاد درسه، فوافقت بسعادة وظللت أتحدث معه قُرابة الربع ساعة، أحببت محاولاته المستمرة لفهم حديثي، وذكاءه في استخدام عبارات وكلمات بسيطة للإجابة، ربما ليست صحيحة 100% طبقًا لقواعد اللغة الإنجليزية، ولكنها كافية لفهم ما يقصده.


بعدها جرى بعيدًا وطلب مني اللحاق به لأشاهد حديقة “ديدي” وراء المنزل، وقطف من إحدى الشجرات ثمرة غريبة ليأكلها فورًا، وقتها شاهدته “ديدي” ونهرته منفعلة، وجذبته من يده بقوة، فقد حذرته من قبل ألا يدخل تلك المنطقة.


رمى الصغير ثمرة الفاكهة وشعرت بقليل من الضيق من ردة فعلها، ربما لأنني أكره العنف تجاه الأطفال، والفقراء منهم تحديدًا، وبعدها فكرت في أنه ربما هذا الأمر خطير بالفعل، ويجب عليه ألا يتناول طعامًا لا يعرف طبيعته لذلك كانت ردة فعلها هكذا!


وقفت “ديدي” تنظر إليه وجلس هو غاضبًا، فأخبرته أن يعود ليكمل معي درس اللغة الإنجليزية فرفض، فابتسمت له وحاولت مصالحته، وتدخلت لأشرح له أنه صغير على الدخول لمنطقة حذرته منها، ربما يصيبه ضرر، وهذه الفاكهة التي لا يعرفها أحد منا لا يجب عليه أكلها كذلك دون أن يسأل عن طبيعتها.


لان لحديثي وقرر أن يذهب معي لاستكمال الدرس وهو ما زال غاضبًا من “ديدي” وهي تقف لتضحك على ردة فعله البريئة.
بعد قليل قدمت “هدير” لتجلس معي فاستئذنته في إنهاء الدرس، وأخبرت صديقتي عن مغامرتي الصغيرة أثناء انتظاري لها.

كانت هذه هي المرة الأولى التي أحتك فيها بالأطفال وبـ “ديدي” عن قُرب، مما شجعني على الاستمرار في زيارة المدرسة وربما أستطيع المساعدة والتطوع في تعليم هؤلاء الصغار الرائعين، دون أن أشعر بالمَن والفضل عليهم، كما هو الشعور السائد عند أغلب المتطوعين في مختلف المجالات، عندما يتفضلون بالنزول إلى مستوى “الناس الغلابة” ومساعدتهم على تخطي بعض الصعوبات في حياتهم!

في المقال القادم سأحكي عن واحدة من أهم مبادرات التطوع من أجل الغلابة، لذلك كان عملها دائمًا صاحب أثر ونجاح كبير لدى الناس.
“شيماء طنطاوي” مؤسسة جمعية “ومن أحياها” التي ساهمت في إنشاء أول مدرسة مجتمعية رسمية في عزبة البحاروة، بجانب المدرسة الصغير التي أنشأتها ديدي في منزلها.

كيف بدأت الفكرة؟ ما الصعوبات التي واجهتها؟ وكيف كافحت لاستكمال حُلمها؟
هذا ما سنعرفه في المقال القادم بإذن الله.


 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك