مدرسة البحاروة .. حُلم طال انتظاره

19 يونيو , 2017

ثلاث سنوات!

تلك هي المدة التي استغرقتها لأتمكن من زيارة هذا المكان الرائع المُفعم بالحب والتعلم وسط الطبيعة والحقول الخضراء وأمام نيل مدينتي الذي لم أره يومًا في مثل هذا الجمال.

“مدرسة النيل” هذا هو الاسم الرسمي لهذا المكان الذي اكتشفته في وقت لاحق، أما الاسم الذي عرفه أبناء مدينتي وتداولوه بينهم كان “مدرسة البحاروة” نسبة للقرية التي أُنشأت فيها المدرسة.

البداية كانت مع عملي كمُعلمة في مدرستي القديمة كما ذكرت سابقًا في مقالات عديدة، وقتها اتصل بي صديق دراستي ليسألني عن استعدادي للعمل كمتطوعة في مدرسة تم إنشاؤها في مكان فقير تابع لمدينتنا لم أسمع عنه من قبل يُدعي “عزبة البحاروة”.

سألته عن تفاصيل المدرسة وطريقة العمل بها، فأخبرني أنها حتى الآن ليست مدرسة رسمية، بل هناك سيدة أجنبية تُدعى “ديدي” تملك بيتًا هناك تفتحه للأطفال ليتعلموا في تجربة مختلفة عما يعانوه في المدارس التقليدية، خاصة مع كونهم من منطقة فقيرة للغاية وبعيدة نسبيًا عن مدينتها، فهي تقع على الأطراف مما لا يسمح لأغلب الأطفال بالذهاب للمدرسة التقليدية.

رحبت كثيرًا بالفكرة، لطالما آمنت أن أهل أي مدينة أو منطقة أحق برعاية أطفالها أو فقرائها أو أي من يحتاج للمساعدة فيها، وجاء هذا بالتوازي مع وقت عملي كمُعلمة في مدرستي القديمة ورغبتي في أن أعلم الطلاب الحاليين حُب الانتماء للمدرسة والمحافظة عليها والعمل على تطويرها بأنفسنا.

عُدت لأمي وحكيت لها عن تفاصيل المكالمة ولم أر بشائر ترحيب ظاهرة على وجهها، بعدها بيومين جاءت لتحكي لي بدورها عن حديثها مع إحدى البائعات في السوق والتي تسكن في هذه “العزبة” وعلى علاقة قوية بوالدتي.

أخبرتها أن هذه السيدة أجنبية لا يعلمون عنها شيئًا ولا يعرفون لماذا تركت بلدها لتُعلم الصغار في منطقة فقيرة؟ بالإضافة لأنها تمرح وتلعب مع الأطفال طوال الوقت، هل هذا تعليم؟

 ماذا تريد “ديدي” هي وأصدقاؤها الأجانب الذين يأتون لإقامة الحفلات والسهر وشرب الخمر طوال الليل من عزبة مثل البحاروة وأطفالها؟

استمعت لحديث أمي وأنا في قرارة نفسي أحوقل وأسترجع عددًا لا نهائيًا من المرات على الجهل الذي أصاب عقول الناس وأثر على إنسانيتهم وجعلهم غير قادرين على فهم الفارق بين التعليم والتعذيب، والتجنّي على سيدة عجوز لا ترغب سوى في منح الحب والعطاء للأطفال في البلدان الفقيرة، وليس لها أي ذنب في هذه الحروب والشائعات التي تدور حولها بسبب كونها “غير مسلمة” و”غير مصرية”.

كدت أصرخ من ضيقي وقتها، شعرت بطاقة غضب هائلة وأخبرت أمي أن هؤلاء القوم يستحقون الشقاء والبؤس الذي يعانون منه، هم راضون بذهاب أبنائهم لمدارس لا يتعلمون فيها شيئًا ويعاملون كالحثالة بدون أي احترام أو تقدير، ولكنهم ساخطون وغاضبون من امرأة تحب أبنائهم ولا تكلفهم مليمًا واحدًا في تدريسهم وتعليمهم وفتحت بيتها لهم.

راعت أمي طبيعة شخصيتي وتفهمت غضبي ولكنها أخبرتني بصراحة شديدة في النهاية بأنها لا ترغب في ذهابي لمكان تدور حوله شائعات مثل هذه حتى لو كانت كلها باطلة، بالإضافة لأنها تخاف من الطريق المتطرف لهذه “العزبة” ولا تأمن لسيري فيه وحيدة.
اتصلت بصديقي لأفرغ حصيلة السُباب والسخط التي بداخلي، وتلقاها هو بالسخرية والضحك من الشائعات التي يعاني منها طوال فترة تطوعه مع إحدى الجمعيات التي ترعى أهل “العزبة” صحيًا وتساعد “ديدي” في بعض الأوقات في تجربتها التعليمية مع الأطفال.

سُخرية صديقي

في النهاية اعتذرت له عن قيامي بالمهمة التي طلبها مني، وأنا في ضيق شديد بسبب تحكم الجهل والخوف في قرار يخص أمر أرغب في عمله، وظللت لفترة طويلة أفكر فيما عليه فعله لكي أقنع أمي بذهابي وعدم اكتراثها لما يقوله أهل العزبة، حتى استسلمت لفكرة أنه لا فائدة من ذهابي خاصة مع وجود متطوعين أكثر قدرة على العطاء مني، ولكن ظل صوت صديقي يؤرق تفكيري كل فترة عندما نذكر الأمر بسخرية ويخبرني أنه لا بد لي من زيارة هذا المكان، هو مُصر على هذا الأمر ولن يمل من محاولات إقناعي بالإلحاح على أمي، حتى جاءت المفاجأة من مصدر غير متوقع على الإطلاق بعد حوالي سنتين ونصف من الانتظار، ماذا حدث؟ ومن هو صاحب الحدث الأكبر تأثيرًا في تحقيق حلمي بزيارة المدرسة؟ وماذا وجدت عندما ذهبت؟
هذا ما سوف أذكره في الجزء الثاني من قصتي عن مدرسة الأحلام، مدرسة البحاروة.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

[…] مدرسة البحاروة .. حُلم طال انتظاره […]

[…] الجزء الأول من هذه السلسلة حكيت عن قصتي مع مدرسة البحاروة، هذه […]

أضف تعليقك