مدرسة البحاروة – صدف ومفاجآت

21 أغسطس , 2017

في الجزء الأول من هذه السلسلة حكيت عن قصتي مع مدرسة البحاروة، هذه المدرسة الصغيرة التي أنشأتها سيدة أجنبية تُدعى “ديدي” في بيتها على أطراف مدينتي في مكان يُدعى “عزبة البحاروة” لم أسمع عنه من قبل أن يحدثني أحد أصدقائي عن المدرسة وفكرتها، ورغبته في أن أنضم لفريق المتطوعين هُناك لأنه يؤمن بأنني الأنسب لهذا العمل.

بعد ما يقرب من 3 سنوات من محاولات الإقناع لوالدتي، سعيًا لدحض نظرية وأساطير بعض سكان المدينة في كون “ديدي” أشبه بالعجوز الشرير التي جاءت لتخطف عقول أطفالنا، وتدمرهم وتحرمهم متعة التعلم في المدارس الحكومية، التي يدرسون بها في فصول كثافتها تصل إلى 70 طالب، ويتلقون فيها معاملة عنصرية سيئة نظرًا لأنهم أبناء فقراء المدينة.

المهم، أنهيت حديثي في المقال السابق عن ذلك الشخص صاحب التأثير الأكبر الذي ساعدني على تحقيق حُلمي، في مفاجأة لم أتوقعها على الإطلاق، من هو؟ وكيف ساعدني؟ وماذا وجدت عندما ذهبت إلى المدرسة في زيارتي الأولى؟

 

صدفة

كنت في جلسة تعارف لمجموعة من المتقدمين لإحدى المعاهد الدراسية الحُرة في القاهرة، وتعرفت على هذه الفتاة التي تتحدث 4 لغات! وأعجبتني طريقة نطقها وحماستها في الحديث، كما أتذكر جيدًا إعجابها بالاقتباس الذي ذكرته في تعريف كل فرد بنفسه، وكان من أحد أغاني الرسوم المتحركة التي أشاهدها وأنا صغيرة، وتعجبت للغاية من كون هذه الكلمات لأغنية مسلسل يعرض للأطفال!

بعد فترة طويلة التحقت بهذه الدورة التعليمية للتعليم الموجهة ذاتيًا، وفي أول يوم عندما ركبت الحافلة التي تقلنا لمكان التدريب شاهدت هذا الوجه مرة أخرى.

في موقف تعارف معتاد عندما يحاول كل من الشخصين تذكرة الآخر بمعرفته في مكان سابق، والتعجب من الصدف التي يحملها لنا القدر، كان لي حديث بسيط معها وتساءلت عن سبب اهتمامها بحضور مثل هذا التدريب، فأخبرتني أنها تعمل في إحدى المؤسسات التنموية التي تهتم بتعليم الأطفال، ولديها مشروع خاص ترعاه في قرية تدعى البحاروة في مدينة العياط، لذلك هي مهتمة بحضور هذه الدورة لفهم أساليب مختلفة للتعليم التي يمكن تطبيقها مع أطفال “مدرسة النيل” التي ترعاها “ديدي”.

باغتها بأسئلتي السريعة، هل تعرفين “فلان”؟ إنه صديقي! “العياط؟!” هذه هي مدينتي! و”مدرسة النيل” نعم نعم، أعلم عنها منذ 3 سنوات، الجميع يطلق عليها “مدرسة البحاروة”، و”ديدي” لم أقابلها يومًا، لكن أتمنى زيارة هذا المكان حقًا.


وفي خلال أيام التدريب توطدت معرفتي بـ “هدير” وهو اسم صديقتي الجديدة، التي تجمعنا الصدف السعيدة ببعض، وكانت فرصتي لكي أحكي لأمي عن النشاط الجديد الذي تقوم به تلك المؤسسة المصرية في “عزبة البحاروة” لكي تطمئن، وفي الواقع بعد 3 سنوات كان هناك العديد من المواقف الفكرية الطاحنة في مصر، لم يكن من الصعب إقناع أمي بالذهاب أخيرًا لرؤية تلك المدرسة المجتمعية الجديدة التي يتم بناؤها بإشراف من مؤسسة “ومن أحياها” لخدمة أطفال “عزبة البحاروة” وهي مدرسة منفصلة عن “مدرسة النيل” التي أنشأتها “ديدي” في بيتها المجاور للمدرسة الجديدة.

 

تحقق الحُلم

في أول زيارة لي، لم أصدق أنه مر كل هذا الوقت لكي أستطيع الذهاب لمدرسة تبعد عني عشر دقائق بـ “التوك توك”، وأثناء ذهابي تأملت  هذا الطريق الأخضر الساحر الذي أسير فيه للمرة الأولى، فحتى مدينتي الريفية أصبحت تفتقد للخُضرة في الفترة الأخيرة، أما أطرافها التي يسكنها الفلاحين ما زالت تُحافظ على طبيعتها وهويتها الخضراء في تلك الحقول التي يمتلكونها ويعملون فيها مع أبنائهم.


دخلت إلى مقر المدرسة المجتمعية وسلمت على “هدير” وجلست قليلًا معها هي و”شيماء” مؤسسة “ومن أحياها” في اجتماعهم مع سيدات العزبة وأولياء أمور الطلاب للحديث عن مشاكلهم ومتطلباتهم المتعلقة بالمدرسة.

أعجبت كثيرًا بطريقة الحوار بينهم، وكيف أظهرت تلك السيدات العاطفة والاحترام لمن يرغب في تقديم الأفضل لأبنائهم، مع عدم التفريط في حقوقهم وإبداء مخاوفهم والحديث عنها بكل شجاعة وتحضر، وكانت الردود المطمئنة والواقعية حاضرة من طرف “شيماء” لتأكيد سلامة كافة التفاصيل والإجراءات القانونية ونظام عمل المدرسة.

كان من الواضح أن هناك الكثير من المشاكل التي أثيرت لكي لا تقوم هذه المدرسة، وحروب من أشخاص بعينهم من القرية لا يرغبون في وجود مثل هذا الكيان، ولكن لهذا حديث آخر . وبينما كنت في الاجتماع لاحظت هذه الفتاة التي تجلس أمامي، وأعرفها جيدًا لكن لم أتبينها من المرة الأولى لأنني لم أر وجهها! “هدير”!

 

“هدير” جارتي ومُعلمة اللغة العربية التي كانت تحلم بالعمل في مدرسة ترعى حقوق الأطفال وتحرص على تقديم قيمة وعلم لهم، ها هي الآن التحقت بالمدرسة كمُعلمة، سلمت عليها سريعًا، وأخبرتها بمدى سعادتي لرؤيتها اليوم، وبعد ذلك قمت باستئذانها لكي تستكمل الاجتماع وأخرج قليلًا للجلوس مع الأطفال والتحدث معهم عن المدرسة، فوجدتهم في حالة من النشاط المبهر، يغنون ويلعبون، بعضهم يُصر على أن أجلس وأشاهد مسرحية سيقومون بتمثيلها لي، والآخر يحاول لفت انتباهي بحركات بهلوانية كانت في نظري أشبه بحركات رياضة الجمباز، وتعجبت من قدرتهم على التحرك بمثل هذه المرونة والخفة بدون أن يذهبوا إلى نادٍ رياضي، أو يتوفر لهم مدربون.

 

وكان الختام مع المفاجأة الكُبرى، عندما قابلت السيدة البائعة التي أقنعت أمي قبل 3 سنوات بأن أهل القرية لا يثقون في “ديدي”، وانها شخص غير أمين على أبنائهم ولا يعلمون ما السر وراء مجيئها لقريتهم…


ابتسمت ونادتني لتسلم علي، فسألتها عن سر قدومها، أخبرتني بأنها هنا تحضر اجتماع أولياء الأمور، لأن ابنتها في المدرسة، للتعرف على المفاجأة الأخيرة عندما علمت أن أمي هي من أقنعتها بضرورة تسجيل ابنتها في هذه المدرسة، لأنها أفضل وأكثر حفظًا لكرامة طفلتها المريضة التي لن يستطيع المُعلمون التعامل معها في المدارس الحكومية التقليدية.

كم هي عظيمة أمي! كفّرت عن ذنبها في حرماني من زيارة المدرسة لـ 3 سنوات في موقف واحد بحفظ حقوق طفل في الحصول على التعليم الجيد وحفظ كرامته.

 

ديدي

أخيرًا بعد انتهاء الاجتماع، ومجيء صديقي العزيز “محمود” الذي كان سعيدًا كل السعادة بزيارتي للمدرسة، ذهبنا سويًا لزيارة ديدي، وتحدثت معها قليلًا عن قصتي وكفاحي المرير لكي أتمكن من المجيء اليوم.

 جلست لأول مرة في بيتها المليء بالأطفال والحُب لأشاهد نيل مدينتي كما لم أشاهده من قبل، وشعرت بالارتباط الشديد بهذا المكان وهؤلاء الأطفال، لم أرغب في الرحيل، ولكن كان علي ذلك، وأنا في غاية الامتنان لصديقيّ العزيزين “محمود” و”هدير” على مساعدتهم الخفية لي في زيارة هذا المكان الساحر، الذي أراه مدرسة الأحلام لكل طفل يحب القرية والمدن الصغيرة ويتمنى الدراسة وسط بيئته، بين الحقول الخضراء وعلى ضفاف النيل.

رحلت وأنا على يقين تام بأن هذه لا يُمكن أن تكون الزيارة الأخيرة، والأمر لا يشبه أبدًا ما أخبرني به صديقي عندما اعتقد بأن الأطفال هناك بحاجة لشخص مثلي، بل أنا من بحاجة ماسة لكي أصبح وسط هؤلاء الرائعين الصغار، لاستمتع بتجاربهم في التعلم، وأشبع نظري وكافة حواسي من جمال مدينتي الصغيرة، وأرد لهم جزءًا بسيطًا من هذا القدر من السعادة الذي منحوه لي، وهذا ما عملت على تحقيقه في زيارتي الثانية للمدرسة.


بمن التقيت؟ وما هي قصة الفأر الصغير؟ وكيف أثارت “ديدي” ضيقي منها لأول مرة؟
هذا ما سوف أذكره في الجزء الثالث من قصتي عن مدرسة الأحلام، مدرسة البحاروة.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك