إجازة صيفية بدون سيطرة التكنولوجيا.. هل تكون مملة؟

30 يونيو , 2018

من المعتقدات الخاطئة التي نشأ عليها الكثير أن العام الدراسي هو الوقت المخصص لطلب العلم والبحث عن المعرفة، فما إن تبدأ الإجازة الصيفية حتى ينصرف الأولاد عن كل ما هو مفيد وتعليمي إلا اللعب و إمضاء الوقت على شاشات الأجهزة الذكية والتلفاز.

 

لا ضرر من المتعة والراحة واللعب بعد عام دراسي طويل، ولا بأس في مكافأة النفس بعد كدٍّ واجتهاد طويل في العام الدراسي المنصرم، خاصة وإن كان ذلك الطالب متميزًا حاصلًا على درجات عالية في تحصيله العلمي.

 

ولكن الإنسان الذي يبحث عن التميز في حياته عليه أن يعلم أن حياته خلال العام الدراسي أو الإجازة أو حتى بعد تخرجه من المقاعد الدراسية هي واحدة، وعلى الإنسان أن يطور نفسه، ويستثمر في مستقبله في كل الأوقات، فيومك هو يومك، وما أن يمضي حتى يمضي بضعٌ منك، وإن ذلك اليوم الذي تغيب شمسه لا يعود إلى يوم القيامة، و إن من سبق من السلف كان يحرص أن يتعلم في كل يوم على الأقل شيئًا جديدًا يضيفه إلى رصيد معلوماته وعلمه، ويرتفع فيه عقله درجة في سموات المعرفة والتطور الدنيوي والأخروي، فقد ورد في الحديث المرفوع : “كُلُّ يَوْمٍ لا أَزْدَادُ فِيهِ عِلْمًا يُقَرِّبُنِي مِنَ اللَّهِ فَلا بُورِكَ لِي فِي طُلُوعِ شَمْسِ ذَلِكَ الْيَوْم ”

 

هل أقضي وقتي في العلم والبحث عن المعرفة إذن؟

بالتأكيد ليس ذلك ما قصدنا، فحياتنا على كِفَّتَيْ ميزان “دين ودنيا”، المقصد هنا أن تنظم وقتك بما يدخل السرور عليها، ويذهب عنها رتابة الإجازة، فكثير من أبنائنا يشتكي الملل، ويعوض ذلك بقضاء ساعات طويلة في مشاهدة لا شيء!

 

لما لا نتخيل يومًا من أيام الإجازة معًا، يومًا منظمًا متنوعَ الأحداث والأفكار، يوم فيه من الواجبات الدينية والدنيوية الخفيف اللطيف الذي لا ثقل فيه.

 

قد يبدأ ذلك اليوم بصباح ظريف تتنشق فيه نسيم الصبح، تتناول فطورك اللذيذ الذي تحب، ثم تشاهد برنامجًا علميًا جميلًا بما تهواه نفسك، المهم أن تكون سعيدًا به، وليس ثقيلًا على نفسك، وربما تتحدث بعده مع أحد أصدقائك من الأقارب والجيران وتسأله عن حاله، خصص وقتًا لــ وردٍ قصير من القرآن تبحث عن تفسيره، وتتمعن في مقاصده، أضف إلى ذلك كتابًا تُحدد وقتًا لإتمامه؛ فالكتب تأخذنا لعالم بعيدٍ مليء بالمفاجآت، وتحفز خيالنا بشكل كبير، قد تقول لي: لا أستمتع بالقراءة، وهنا لديك خياران: ابدأ بكتب صغيرة والأفضل أن تكون رواياتٍ أو قصصًا، فالقصص تجذب الإنسان وتشجعه، فمن الخطإ أن تبدأ بكتاب كبير محشو بالمعلومات؛ فتصاب بالصداع من أول صفحة، أو استمع للكتب المسموعة، ضع سماعات الأذن واذهب للركض في مكان تحبه أو قُد دراجتك.

 

من الماتع زيارة الأقارب والذهاب في رحلات مع الأهل، والجميل أن ما تحدثنا عنه قبل قليل لا يتنافى مع الاستمتاع مع أهلك ورحلاتك، فكله تسطيع فعله خلالها.

 

عند المساء ومع غروب الشمس تسلق شجرة بحذر أو اجلس على صخرة قرب البيت أو اعتلي سطح منزلك، وراقب غروب شمس ذلك اليوم مع تخيل أحلامك ومستقبلك الجميل، واطلب من الله الأماني فالصلة بالله مع ذلك الوقت الروحاني يغمرك بسعادة لا توصف.

 

السهر في الإجازة من أجمل الأوقات ولعب الكرة والدراجات والحجلة و”السبع حجار” والغميضة من تقاليدنا الجميلة التي يفتقدها أبناء هذا الجيل، حتى الألعاب داخل المنزل من السلم والأفعى و”الحاكم والجلاد” والسمر بقصصٍ على الأضواء الخافتة والنكات الجميلة افتقدناها كثيرًا.

 

حاول أن تبدأ ليلك بهذه الألعاب مع أخوتك وأقرانك وستكتشف أنك كنت دفين جهازك الذكي، لا حياة في يومك ولا سعادة.

يبدو أنك ستلغي كل ما له علاقة بالهواتف الذكية، هل تشن حربًا عليها؟

أبدًا، على العكس بإمكانك تخصيص وقت للعبتك المفضلة متى شئت، ولكن حدد وقتًا للعب على ألا يأخذ كل يومك، فتغرق فيها طوال الوقت؛ ولتتأمل هذه المقولة:

“أطفئ جهازك فهناك الكثير في هذا العالم من الدهشة والإثارة التي تنتظرك”.

 

ماذا عن مسلسل مفيد مشوق، تستمع فيه، وتزداد به معرفة أو أخلاقًا وقيمًا، وهنا لن أقترح عليك أسماء مسلسلات رغم كثرتها، فعليك أن تفتح اليوتيوب وتبدأ بالبحث عن ما تستهويه نفسك، وستجد ضالتك سريعًا، ربما تشاهده مع أهلك وقد يساعدك والداك أو أخوك الكبير في هذه المهمة.

 

قبل النوم قد تتصفح مواقع التواصل الاجتماعي في جولة سريعة تؤدي بعض واجباتك هناك من تواصل مع الأحبة، ولكن احرص أن يكون تفاعلك معهم صادقًا نابعًا عن حب، فلا نريد لهذه المواقع أن تسمح للنفاق الاجتماعي أن يتسرب إلى نفوسنا أو أن تسبب قطيعة لأحبتنا على أرض الواقع، أي تذكر ألا تكتفي بالتواصل معهم من خلال هذه المنصات، بل زرهم واتصل بهم وشاركهم حياتهم بتفاصيلها الواقعية الجميلة.

ستسألني: ماذا بعد؟

وأنا هنا أقول لك، ما رأيك بمخيم صيفي، أو دورة سباحة أو ركوب خيل، أو ربما دورة محادثة في لغة تحب أن تتقنها، أو تعلم الرسم أو التصميم أو البرمجة؟

 

إن هذه الخطوة ستدخل روحًا جميلة إلى أيامك الصيفية، تبني فيها صداقات وعلاقات جديدة، وتكسب إضافة جميلة لخبراتك الرائعة مثلك، وستمتلك الكثير من القصص والمغامرات التي تخبر بها أصدقاءك عند العودة إلى مقاعد الدراسة في العام المقبل.

 

صدقني لن تكون سعيدًا عندما يسأل معلمك في بداية العام سؤاله المعتاد: كيف كانت عطلتكم الصيفية؟
فتبحث في مخيلتك لا تجد إلا الفراغ!

 

جرب هذه الأفكار، لا تتردد، فقد جربتُها قبلك، وكنتُ في قمة سعادتي بعد أن كنتُ أستيقظ من فراشي أستقبل الشاشات حتى أصاب بالصداع وأشعر بالدوار إذا قمت من مكاني بعد ساعات طويلة، لقد أصبحتُ أرى الحياة مليئة بالألوان بعد أن كانت ترافقني رؤية ضبابية كلما قمتُ من مكاني بعد سبات يومي بليد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك