من يدرّس الرياضيات في المدرسة، مهندس أم معلم؟

4 فبراير , 2018

عندما كنا في المرحلة الإعدادية كان يدرس لنا مادة الرياضيات أستاذ لا يكاد يفقه شيئًا عن مادته، وكان على الرغم من هذا يضيق بأسئلتنا ذرعًا. وكانت لنا جارة فتاة شابة تعمل مهندسة، وكانت تحب الرياضيات كثيرًا. فكان أن سألناها أن تقوم بتدريسنا ما اسْتُشكل علينا في المادة، ولم نستطع فهمه في المدرسة. وقد كانت لها طريقة ممتعة ورائعة في الشرح وتوصيل المعلومة، وكانت لا تمل من تكرار المعلومة أو الإجابة على أسئلتنا على عكس صاحبنا المدرس المتجهِّم.

 

وأتذكر أنها كانت كثيرًا ما تبتسم لنا ابتسامة الحائر حين لا نفهم نقطة ما، وتعجِز هي عن شرحها، وأتذكر كذلك أنها لم تكن تملُّ أبدًا من تغيير أسلوب الشرح، وضرب الأمثلة، حتى نفهم. وكانت تسعد كثيرًا إذا ما شعرَتْ أنها نجحَتْ حقًّا في توصيل المعلومة لنا. كانت تلك المهندسة في رأيي فتاةً ذكية، وتحسن توصيل المعلومة أكثر من مدرسنا الذي يعتبر الرياضيات تخصصه الأول والأوحد، علاوة على أنه كان المدرس الأول في المدرسة!

 

ومع ذلك فإن الأمر يأتي مخيبًا للآمال إذا ما فكرَتْ المهندسةُ في التدريس في إحدى المدارس، فحينها ستُطالب بشهادة تثبت دراستها وتخصصها في الرياضيات، وكذا في علوم التربية، هذا إذا لم تُطالَب بخبرة سابقة في المجال! وقد حدث هذا الأمر مع إحدى زميلاتي اللاتي تخرجن من كلية التجارة. فكانت إنجليزيتها رائعة، وحين قدمت في إحدى المدارس للعمل، ونجحت في المقابلة الشخصية، كانوا على وشك أن يقبلوها، لولا أنهم عرفوا أنها لم تتخرج من كلية للغات أو التربية!

 

إنه لمن المخجل والمحزن في آن واحد أن نشجع أبناءنا على تطوير مهاراتهم ومواهبهم، ثم لا نقبل في سوق العمل إلا بأصحاب الأوراق المزخرفة، والخبرات العريقة. فأين المكان لأصحاب المواهب، والإبداعات، والتجارب الشخصية، والتعليم الذاتي؟! لقد أثبتت الشهادات والخبرات في أحيان كثيرة عدم جدواها، وما زلنا مع هذا نتمسك بها كل التمسك. مع أن أصحاب المواهب إذا ما أُعطوا فرصة، فإنهم يثبتون نجاحهم وتميزهم.

 

وربما من أكثر الأمور التي تميز العمل في مجال الاتصالات هو أن معظم الشركات لا تشترط أي خبرة، ولا مهارة اللهم إلا إتقان التحدث بلغة أجنبية؛ وذلك لأنهم يوفرون تدريبًا للمتقدمين للوظيفة عند قبولهم، يشمل العمل على برامج الشركة، بالإضافة إلى المعلومات التي سيحتاجها الموظف لأداء عمله، والباقي يتم تحصيله تلقائيًّا مع الوقت.

 

أما على المستوي العالمي، فقد بدأ الاعتراف إلى حد كبير بخبرة “التعلُّم الذاتي” و”الموهبة الشخصية” إن صح التعبير. ففيما يخص تعليم اللغات مثلًا، صار هناك الكثير من المواقع التي تعرض لتعليم اللغات من خلال الخبرات الشخصية مثل Lang-8 “لانج إيت” و”هاي نيتف”  Hi Native. فتجد متحدثي اللغة من كافة أنحاء العالم ـــ ومن غير المتخصصين ـــ يساعدون بعضهم بعضًا في تعلم اللغة. ومن تجربتي الشخصية فإن الفائدة كانت بالنسبة لي أكبر وأكثر فائدة بكثير من التعلم في فصول الدراسة.

 

فمن جهة، هناك الآلاف من الأشخاص المتاحين على الموقع، وهذا يتيح لك الحصول على عشرات من الأجوبة على سؤال واحد، والسؤال عما يستشكل فهمه. كما لا يمكن غض الطرف عن عظم الخبرة التي يحصل عليها الإنسان من متحدث اللغة، وإن لم يكن دارسًا متخصصًا، فهو وإن لم ينجح أحيانًا في تفسير ظاهرة لغوية، أو شرح قاعدة ما، فإنه يستطيع في الغالبية العظمى من الأحيان تصحيح اللغة والأسلوب، وتحديد ما هو صحيح وما هو خاطئ من الكلمات، وما هو أدبي، أو دارج، أو سوقي من التعبيرات. وبهذا يوفر على الإنسان الكثير من البحث والتنقيب.

 

 

أما المدرس الأكاديمي فيسير على القاعدة بحذافيرها. وكثيرًا ما لا يختلط بمتحدثي اللغة، فتظل خبرته مستقاة من الكتب والمجلدات، والتي يكون مؤلفوها في كثير من الأحيان كذلك من غير متحدثي اللغة. كما أنه ليس بالضرورة أن يكون الأستاذ الأكاديمي موسوعيَّ المعرفة، فمعظمهم للأسف تمر عليهم السنون وهم يعيدون ويزيدون فيما عادوه وزادوه سلفًا، دون أي اطلاع على جديد المستخدَم من القواعد واللغة والتعبيرات.

 

لذا، فإنها ستكون خطوة رائعة حقًا أن تتوقف الكثير من الشركات والمؤسسات التعليمية على التأكيد على الخبرة والشهادة الدراسية. فقد أثبتت الدراسات والتجارب أن الشهادات لا تثبت ذكاءً أو تبرهن على تعليم. والخبرة لا تأتي إلا بالمراس، وهي سهلة التحصيل إذا ما أوتي الإنسان فرصة التجربة والممارسة.

 

وأما تعيين صاحب الموهبة، وإن عدم شهادة أو خبرة كصاحبتنا المهندسة، فلا ريب سيكون أكثر نفعًا وأبقى أثرًا من صاحب شهادة لا يثبتها أداؤه وشرحه، وخبرة حصل عليها من تراكم السنين لا الخبرات أو العلم أو التجارب!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك