من يضع لنا المنهاج؟ ومن المسؤول؟

5 أغسطس , 2012

كنت قد استفسرت لدى أحد أعمامي وهو يعمل مدرّسا إن كان يسمح لهم بالتحدّث عن النكبة، أو تمرير القيم الوطنية، فأجاب أن ذلك ممنوع بالتأكيد. كان سؤالا عابرا، يسأله إنسان مثلي بعد أن استيقظ فجأة من سبات دام اثني عشر عاما في مدارس على هذه الشاكلة، وكأنه لم يدرس بها، ولا يستوعب جلل الواقع الذي يقول أنه لم يمر ولو مرور طرفة عين عليه أن حدثه أحد بذلك، وصرت أستفسر عن المصدر الذي وعيت بسببه حقيقة من أنا ومن أكون.

ثم تذكرت أني ذات مرة أثناء ذلك السبات الطويل الذي مر على وعيي ووعي الكثير من الطلبة، فمنهم من خرج سليما معافى بمحض الصدفة، ومنهم وهو القسم الأكبر حقيقة لا يزال وعيه ملوثا بين النسيان (خاصة أن أحدا لم يذكّره) أو التوحد مع المعتدي جهارا. تذكرت أن ابن عمي عاد مرة من المدرسة الجديدة التي التحق بها، وهي مدرسة أهلية، يحدث والدته أن المعلم أخبرهم أننا نلقنكم هنا معاني الوطنية، ما استغربه في هذا المقطع أني كنت في الصف السابع أي عمري قد تجاوز الاثني عشر ربيعا، فاندفعت يومها للسؤال عن ما تعنيه هذه الكلمة، كلمة “وطنية“!
هذا هو في الحقيقة شأن المدارس الحكومية في فلسطين المحتلة عام 48، وهي تابعة لوزارة اسرائيلية، لها اليد الطولى في مضمون المناهج الموضوعة. وأيضا فيه شيء من حقيقة الناس الذين يعيشون على هذه الأرض، فلم يسترع الأمر اهتمامهم الى ذلك الحد الذي يوفرون به شيئا من المال حتى يوفرون لأبنائهم مدارس أهلية، لا يمسك بها الوزير الإسرائيلي المعلم من يده التي تؤلمه، أكل عيشه، فيكون حرا تماما في تمرير الرسائل التعليمية والتربوية لطلبته، بعيدا عن التغييب والتشويه
.

ما جعلني أخوض في هذا الشأن بالذات الآن، هو انهائي للتو رواية “الطنطورية” لرضوى عاشور، جعلني أشعر بحجم العبث الذي نعيشه في مدارسنا، التي تدرس طلبتها، لاجتياز امتحانات الثانوية العامة، رواية “اللص والكلاب” لنجيب محفوظ، بدلا مما كتبته لنا رضوى عاشور عن تاريخنا القريب، عبث الأولويات، وعبث الهوية.

ومما يزيد الطين بلّة أن الخطة الاسرائيلية في السيطرة على مناهج الفلسطينيين التعليمية، تبسط من سيطرتها يوما إثر يوم على كامل التراب الفلسطيني، ويكثر الحديث اليوم عن القدس وطلبتها الممارس باتجاههم حرب شعواء لا هوادة فيها، تستهدف فيها العربية من خلال الأخطاء اللغوية المتواردة والمقصودة في صفحات كتاب طفل في الثالث الابتدائي، يتزامن هذا مع تقديم العبرية رفعة عليها.. ويتبعها قضايا الهوية والتي تتمظهر بشكل أكثر دهاء عن سابقتها.
قد أتفهم سوء النية الذي يحيط بمخططات العدو، لكن ما لا أتفهمه الى يومنا هذا، غياب مؤسسة الأسرة عن لعب دور منوط بها تجابه فيه ما يحاك ضد أبنائها. أي منصب تشغله الأم في هذا وذاك الذي يشغله الأب؟ وهل تسليم عقول أطفالنا بهذه السذاجة الى الأعداء أمر يتحمل مسؤوليته الجان؟ طبعا ما هو مؤكد أن هذه الأسر كما ينشر في تقارير كثيرة تنفق على المكياج، والسجائر وغيرها من الرذالات يفوق في تكاليفه ما يسد حاجة عقول أبنائهم في ايجاد مرسًى تطمئن اليه جنوبهم قعودا ونياما.. لكن..من حق أيضا طلاب المدارس في الدول العربية إثارة ذات المسألة، وذات السؤالين اللذين أوردتهما أعلاه.. فبعيدا عن التشويه المقصود والمفهوم تجاه هويتنا، ماذا عن القيم التي يتلقنها أبناء المدارس في الوطن العربي؟ وهل يمضي المرء فيها سني عمره ليخرج ممتليء الجعبة أم خاويا تلوح به عواصف الطامعين يمنة ويسرة؟ من حقنا أن نسأل.

543335_375160372523304_530168871_n.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك