” نموذج بديل ” لإنقاذ جودة التعليم في الجزائر… فهل يفلح أم يكون كالنماذج السابقة؟

12 يوليو , 2018

دفع تراجع “جودة التعليم” الذي تسبب في ارتفاع نسبة الرسوب المدرسي في المؤسسات التربوية، بوزيرة التربية نورية بن غبريت إلى طرح “نموذج بديل” لإصلاح المدرسة الجزائرية، فالجزائر تذيلت الترتيب العربي في “جودة التعليم” واحتلت المرتبة 22 عربيًا والمرتبة 189 عالميًا حسب الأرقام التي كشف عنها المركز الدولي للتعليم “اليونيفيك”، هذا المؤشر تقف وراءه جملة من الأسباب أرجعها مختصون في الشأن التربوي إلى ضعف تكوين أساتذة القطاع، والذي يعتبر من بين أسباب ارتفاع نسبة الرسوب في الامتحانات الرسمية، فربع مليون راسب في امتحانات شهادة التعليم المتوسط لدورة 2018 يعد مؤشرًا كافيًا على تراجع مستوى التعليم في البلاد، وكانت وزيرة التربية، نورية بن غبريت، قد اعترفت في تصريح صحفي سابق، أن جودة التعليم في الجزائر متوقفة بدرجة كبيرة على تكوين وتأهيل الأساتذة وكفاءتهم البيداغوجية والمهنية.

وأقرت المسؤولة الأولى عن قطاع التربية في البلاد، بوجود نقص كبير في عدد الأساتذة المكونين بشكل جيد، لذلك فهم بحاجة إلى دورات تكوينية نوعية ومرافقة في مستوى المهام التي يؤدونها.

 

محتوى “النموذج البديل”

ويرتكز مضمون “النموذج البديل” الذي تحوز شبكة “زدني” نسخة منه، على ثلاثة تحديات، التحدي الأول يتعلق بـ “التحوير البيداغوجي” من خلال إعطاء الأولوية للطور الابتدائي بتغيير الممارسات البيداغوجية، عن طريق مراجعة البرامج وتكوين ملائم للمدرسين بهدف تنمية روح الملاحظة والتحليل والتركيب والإبداع لدى التلميذ، ولهذا التحوير البيداغوجي صلة بممارسات القسم وبالامتدادات في الإطار العائل.

 

أما التحدي الثاني فيتمثل في تحدي “احترافية الموظفين عن طريق التكوين” فيتم عن طريق التكوين الأولي للمدرسين بالتعاون مع وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، من خلال مراجعة دفتر الشروط للمدارس العليا للأساتذة بغية تكييفه مع الحاجات الحقيقية للمعلم في المستقبل وتقنين التربصات التطبيقية وإعداد خارطة تكوين جديدة من شأنها توفير عدد ملائم من المدارس العليا للأساتذة وضمان تكوين مستمر لتحيين المعارف وتحقيق الاحترافية.

ورفعت وزيرة التربية الجزائرية، نورية بن غبريت، “تحدي التكوين” رغم الصعاب والعوائق التي ستعترضها، بعد التقارير التي تسلمتها من مدراء التربية على مستوى 48 ولاية تؤكد أن تراجع التحصيل العلمي خاصة في الثانويات والمتوسطات يعود إلى ضعف مستوى “الأساتذة الجدد” أي الذين التحقوا بالقطاع حديثًا، فأغلبهم وحسب التقارير التي اطلعت عليها شبكة “زدني” تؤكد أن معظمهم لا يتحكمون في التقنيات البيداغوجية لتلقين المعارف والتقييم، كما أن انعدام طرق التدريس لديهم قد ألقى بظلاله سلبا على مستوى التلاميذ الذي لم يتطور.

وقالت وزارة التربية: “إن هذا النموذج هو ثمرة استشارة واسعة، هدفه كسب تحديات الجودة في إطار استراتيجية طويلة الأمد تمتد من 2016 إلى 2030 وترتكز على التحوير البيداغوجي والحوكمة واحترافية الموظفين عن طريق التكوين”.

 

لماذا الفشل؟

ويقول في الموضوع رئيس جمعية أولياء التلاميذ، على بن زينة، في تصريح لشبكة “زدني” إن وزارة التربية مجبرة اليوم على إصلاح المدرسة خاصة بعد اعترافها بضعف تكوين الأساتذة الجدد، ويقول إن: “عدم فعالية البرامج التكوينية الموجهة لأساتذة القطاع يلعب دورًا أساسيا في تراجع جودة التعليم، فاليوم الوزارة الوصية تعتمد على التوظيف المباشر للمعلمين، فأغلبهم من “خريجي الجامعات” الذين يتوجهون مباشرة إلى المؤسسات التربوية دون الخضوع لأي تكوينات حول طرق ومناهج التدريس وكيفيات التعامل مع التلاميذ”.

ويضيف المتحدث: “أن أغلبية الأساتذة الجدد الذين التحقوا بالقطاع حديثًا لا يتحكمون في طرق التدريس.”

وعاد رئيس جمعية أولياء التلاميذ، للحديث عن الطريقة التي كانت تعتمدها الوزارة الوصية في التوظيف، وقال إن الأساتذة كانوا في سنوات التسعينيات مباشرة بعد تخرجهم يلتحقون بمراكز خاصة بتكوين، لكن قامت الوزارة بعدها بغلقها، ومنذ بداية 2003 أصبحت تعتمد على التوظيف العشوائي وفتحت المجال أمام جميع التخصصات، فمهندس في الميكانيكا مثلًا بإمكانه أن يلتحق بسلك التدريس، ويشير إلى أن الأمور ازدادت تعقيدًا في السنوات الأخيرة بعد قرار الحكومة الجزائرية القاضي بإلغاء التقاعد النسبي، فحوالي 30% من أساتذة القطاع القدامى أودعوا ملفاتهم للحصول على التقاعد، وهو ما وضع الوزارة الوصية في مأزق كبير للشغور الذي خلف النزيف وهو ما دفعها إلى إطلاق مسابقات للتوظيف وسيكون لهذا القرار عواقب وخيمة وسيستمر تأثيرها على القطاع لعشرات السنين، فأغلب الأساتذة الجدد يفتقرون للخبرة والتكوين والحنكة وغالبًا شخصية الأستاذ هي من تسمح بالتحكم في الأقسام، ولقد ألقى مؤخرًا هذا الأمر بظلاله على بعض المؤسسات التربوية، فتحولت بعضها إلى حلبات صراع بين التلاميذ والأساتذة والأولياء بسبب تفشي العصيان ومختلف أساليب العنف والتهديد والوعيد.

 

غضب نقابي من الإصلاحات

وفي حديثه عن مضمون النموذج البديل قال المكلف بالإعلام والمتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع الثلاثي الأطوار، مسعود بوديبة، في تصريح لشبكة “زدني” إنه ومنذ مجيء وزيرة التربية على رأس القطاع، وهي تنتقد واقع المنظومة، وتتكلم عن الإصلاح والبدائل لكن إلى يومنا هذا ومنذ 4 سنوات لم نر أي تقدم أو تحسن على مستوي الواقع الميداني للمدرسة، والعكس أننا نعيش تدهورًا، وفي جميع الجوانب، وانتهز الفرصة للحديث عن التغييرات التي تمت على مستوى البرامج والمناهج بدون تدرج وبدون تحضير، بتسرع واستعجال، بأخطاء جسيمة، في غياب تكوين متخصص ناجع، ونقص في الوسائل ومشاكل مهنية واجتماعية.

ويرى المتحدث أن كل هذا أدخل المدرسة في أجواء منفرة وضغوطات كبيرة، كان له أثر مباشر على التحصيل العلمي للتلميذ، وضعف في الأداء من الأستاذ.

وعاد مسعود بوديبة للحديث عن قرار الحكومة القاضي بإلغاء التقاعد النسي، الذي دفع الأساتذة “أهل الخبرة للخروج إلى التقاعد”، وفتح هذا المجال أمام التوظيف الخارجي الذي فاق كل الحدود، في غياب التكوين القبلي، والآني والبعدي، والاعتماد على دورات بمحتويات نظرية خلال السنة الدراسية لا تلبي المطلوب.

ومن بين تراجع جودة التعليم في البلاد، يقول المكلف بالإعلام والمتحدث الرسمي باسم المجلس الوطني المستقل لمستخدمي التدريس للقطاع الثلاثي الأطوار، الإصلاحات الأخيرة التي أطلقتها الوزارة الوصية التي سميت بإصلاحات “الجيل الثاني”، طبقت بالتوازي في الابتدائي والمتوسط؛ مما ولد تضاربًا واضطراباتٍ في التحصيل العلمي للتلاميذ خصوصا في المتوسط، مع العلم أن التغييرات التي تمت في المتوسط كانت عرجاء، مواد وفق البرامج الجديدة وأخري بالبرامج القديمة، ثم بعدها تصدر تصريحات بتوقيف التغييرات.

 

ويرى المتحدث أن كل هذا يدل على أنه لا توجد منهجية مدروسة مبنية على تشخيص وتقييم فعلي يسمح بإصلاحات متدرجة، تبدأ من السنة الأولى ابتدائي، وننتقل به من سنة إلى سنة حتى نصل بها إلى النهائي، في فترة 12 سنة.

ويؤكد: “للأسف الاستعجال والتسرع، دائمًا نتائجه تكون معاكسة، كارثية ضحيتها الأجيال”، ويضيف: “ها هي اليوم تتكلم على إصلاحات بديلة نحن لا نعرف محتواها ولم نشرك في إعدادها”. ويرى مسعود بوديبة أن مشكل التكوين تحل بالعودة إلى المعاهد التكنولوجية والمدارس العليا مصدرًا أساسيًا للتوظيف في قطاع التربية، ومن الضروري الاعتماد على أهل الميدان وكل الفاعلين الذين أسهموا ويسهمون في خدمة التربية والتعليم في وضع الإستراتيجية والمنهجية الأساسية لحل كل الإشكالات المطروحة.

 

ضعف مستوى الأساتذة وراء 50%من الفشل المدرسي

ومن جهته قال المنسق الوطني للنقابة الوطنية المستقلة لأساتذة التعليم الثانوي والتقني، مزيان مريان، في تصريح لشبكة “زدني” إن الوزارة الوصية مطالبة بإعادة النظر في السياسية المنتهجة في تكوين أساتذة القطاع، ويرى أن قلة تكوين أساتذة القطاع تتسبب في 50% من الفشل المدرسي في الجزائر.
وشدد المتحدث على ضرورة مراجعة المناهج المعتمدة في التكوين والمطبقة بالمدارس العليا للأستاذة.
وأكد أن الشهادات التي يتسلمها خريجو هذه المدارس “غير كافية”.

ومن بين الحلول التي يقترحها مزيان مريان، إدراج دورات تكوينية لفائدة الأساتذة لا سيما فيما يتعلق بالمعارف التعليمية النفسية قبل أي توظيف.

ويرى المنسق الوطني للنقابة الوطنية المستقلة لأساتذة التعليم الثانوي والتقني، إن الوزارة الوصية ليست مطالبة في الظرف الراهن بإصلاح الإصلاحات التي أطلقتها في وقت سابق أو إدراج تعديلات عليها، بها هي مطالبة بإعادة النظر في جميع الاختلالات والثغرات التي يعاني منها القطاع، وطبعا لن يكون ذلك إلا بإشراك المختصين الحقيقين في مجال التربية.

 

القضية معقدة بسبب تراكمات الأخطاء

وأخذ النائب البرلماني والنقابي السابق في الاتحاد الوطني، مسعود لعمراوي، في تصريح لشبكة “زدني” حيزًا كبيرًا من الوقت للحديث عن التحدي الذي رفعته وزارة التربية في البلاد والمتعلق بـ “احترافية الموظفين عن طريق التكوين” قائلاً إنهم سبق أن طالبوا الوزارة الوصية بمراجعة إجراءات تكوين أساتذة القطاع، من خلال إعادة النظر في القرار الذي اتخذته منذ ستة سنوات، ويتعلق بغلق المعاهد التكنلوجية، وتعويضها بالمدارس العليا للأساتذة، وقال إن القضية اليوم أصبحت جد معقدة بسبب تراكمات أخطاء الماضي، فقرار غلق المعاهد المتخصصة في تكوين الأساتذة كانت له عواقب وخيمة على المدرسة الجزائرية، تتمثل في نقص فادح في التأطير، فالمدارس العليا للأساتذة عددها قليل جدًا، لا يكفي لسد حاجيات القطاع؛ فحدوده لا تتعدى 15 %.

ويقول مسعود لعمراوي: “إن هذا الوضع دفع بالوزارة الوصية إلى اللجوء إلى حلول “ترقيعية” لسد النزيف الذي أصاب القطاع بعد هجرة الأساتذة القدامى، حيث استنجدت هذه الأخيرة بخريجي الجامعات، وأقحمتهم في سلك التدريس المباشرة؛ فأغلبهم لم يكونوا بيداغوجيين ويفتقدون لمناهج طرق التدريس، وكانت لهذه القرارات عواقب وخيمة على المؤسسات التربوية، فاستشرى العنف في الحرم المدرسي، ولم يعد أهل القطاع قادرين على احتواء الصراع القائم بين التلاميذ والأساتذة داخل الأقسام، وانعكست سلبًا على التحصيل العلمي للتلاميذ، فالمعلم في سنوات التسعينيات كان يجبر على أن يتلقى تكوينًا تربويًا وبيداغوجيا على الأقل لمدة سنة حيث يحتك بالتلاميذ في أثناء التربص مرة في الأسبوع، إضافة للتربص المغلق مدته 15 يومًا، تحت إشراف مكونين يشهد لهم بالكفاءة وفي أثناء التخرج يحضر الندوات أسبوعيًا وبعدها يمر عبر الترسيم.

اعترافات

وحاولت شبكة “زدني” التقرب من أساتذة في القطاع، لهم تجربة فاقت العشرين سنة في سلك التدريس، لرصد موقفهم من قضية ضعف مستوى الأساتذة الملتحقين حديثًا بالقطاع، ويقول في الموضوع الأستاذ “ن. مصطفى”، حاصل على بكالوريا رياضيات في سنوات التسعينيات، كان من المتفوقين، خبرته في التدريس فاقت عشرين سنة، في تصريح لشبكة “زدني”: “إن الأساتذة الجدد وجدوا صعوبة كبيرة في إيصال المعلومات للتلاميذ، فلم أجد أسوأ من مناهج الجيل الثاني، فأغلبها لا تناسب مستوى التلاميذ بتاتًا، فرغم الإمكانيات المسخرة، إلا أن الكثير منهم لا يستجيبون لها، بسبب سياسية الإصلاحات الارتجالية التي تبناها الوزراء المتعاقبون انطلاقًا من وزير التربية السابق أبو بكر بن بوزيد وصولًا إلى الوزيرة الحالية للقطاع نورية بن غبريت، فمشكل التعليم في الجزائر ينحصر اليوم بين المناهج الجديدة التي تبنتها الوزارة الوصية والكفاءات العلمية غير القادرة على التبليغ والتوصيل، فشتان بين الجيل الأول والجيل الثاني.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك