هل أصبح الرقص وسيلة تعليمية في مصر؟

2 يونيو , 2018

 

“إِذَا كَانَ رَبُّ الْبَيْتِ بِالدُّفِّ ضَارِبًا              فَشِيمَةُ أَهْلِ الْبَيْتِ كُلِّهِمِ الرَّقْصُ”

الشاعر سبط ابن التعاويذي

 

قيمةُ المرء ما يُحسنه، وليس دليلٌ على إحسان المرء سوى جودة ما ينتج، ومنتج العملية التعليمية طالب يعرف قيمة نفسه ووطنه والإنسانية، ويملك من المهارات ما يساعده -دون مشقة- على الانخراط بسوق العمل المتزايدةِ مطالبه يومًا بعد يوم.

 

لكن في الوقت الذي لم تنجَح الأنظمةُ التعليمية المصرية في الحصول على مركز في التصنيف العالمي، للتعليم فضلًا عن إنتاج طلاب ذوي جوده عالية، أليس من العقل -وقد فشلنا في التعليم- أن نحافظ على تربية أبنائنا تربيةً تحفظ عليهم مبادئهم وقيمهم وثوابت دينهم؟

 

بالأمس القريب كان للطالب سمتٌ خاص يرتسم على وجهه بما يتلقاه من الآداب والعلوم. وكانت حالة المجتمع النفسية ترفض كلَّ ما يؤثر بأخلاق أبنائها، كالرقص والموسيقا المبتذلة، وكانت المدارسُ معابدَ مقدسةً يقوم المدرسون على حراسة مبادئها ككهنة المعابد المصرية القديمة الذين يحرسون الأسرار المقدسة، وكنا نعرف للمُدرس فضلًا وقيمةً بما يتسق -في حياته الخاصة والعامة- مع جملة المبادئ التي يدرسها لطلبته، وتجعله وريثًا للأنبياء؛ بما يُعلم الناس الخير.

 

لكن أن تصبحَ المدارسُ مسارحَ للراقصاتِ المتمايلات ميوعةً وقتلًا للحياء في نفوس جيلٍ من الأطفال؛ ممن ندخرهم للمستقبل الذي نتمناه للأمة، على مرأى ومسمع من مدير المدرسة ووكلائه والمدرسين، ألا ينكر عليهم ذو عقل منهم! والمدرسة محرابٌ مقدس لا تجوز فيه الخلاعة والعُريُّ والمبتذلُ من الموسيقا.

 

أين ذهبت مروءتهم؟ ولماذا أغمدو سيوف الدفاع عن واجبهم المقدس، لتربية أبنائنا على الفضيلة؟ أخشى أن يصبح الأمر ظاهرةً تتكرر في مدارسنا، وأن يختلط على الأطفال الصحيحُ والخطأ؛ فيصبح المجتمع راقصًا لاهيًا عابثًا، بدلًا من أن يكون فاعلًا منتجًا مبدعًا.

 

لم تمرَّ حادثة إحدى مدارس النزهة التي رقصَتْ فيها الفتيات على أغنية “آه يا واد يا اسكندراني”، حتى فوجئنا بمدير مدرسة في المعادي يترك العنان للنغمات يراقصنه أمام الطلاب متجاهلًا كل أخلاقيات التعليم التي يمثلها، هذا فضلا عن حالات الرقص البلدي الفردية في الفصول والتي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي، إلى أن جاءت الطامة الكبرى في صباح أحد الأيام، حيث كانت مدرسة الليسية بمنطقة الهرم في الجيزة تحتفل ببعض الطلاب الأوائل من خلال عرض راقص تحييه راقصات لا يعرفن الأدب، ولا يعنيهن الحياء، ضاربين بمبادئ الفضيلة عرض الحائط.

 

حتماً ثمة أسباب لانتشار هذه الظاهرة؛ أري في مقدمتها ضعف السجية الدينية والتنكيل لمفاهيم الحلال والحرام بالمجتمع المصري، الذي أصبح يعتاد الرقص كظاهرة تتكرر في الاحتفالات والمناسبات، حيث قد عُلقت شاشات عرض لراقصة علي مئذنة مسجد قايتباي الأثري بالقاهرة، واحتفل طلاب الجامعة بالعام الجديد راقصين علي المهرجانات والأغاني الشعبية في حضور وزير التعليم العالي

 

ثم يلي ذلك غياب الدور الأسري في التربية الأخلاقية والمراقبة اللصيقة للأطفال والتواصل المستمر مع المدارس لمتابعة الأبناء، خاصة في ظل نظام تعليمي يرقص فيه الأساتذة والمدراء أمام الطلبة دون خجل أو تأنيب من ضمير.

 

ولست أنسي الدور المحوري الذي يقوم به الإعلام لتجفيف منابع الحياء في النفوس، وتغيير ثوابت المجتمع تحت مسمي حرية الإبداع، في الوقت الذي تغيب فيه رقابة المؤسسات الدينية -حراس الأخلاق والقيم- التي تلتزم صمتًا مريرًا.

 

وما من داء إلا جعل الله له دواء، والدواء في إحياء خُلق الحياء -وهو في متناول الأيدي-، من خلال إحياء الدين في النفوس وعودة المؤسسات الدينية لتقوم بدورها التوعوي، وجعل مادة التربية الدينية مادة اساسية بالمدارس، بل والجامعات أيضاً؛ ففيها حماية للأخلاق الاجتماعية.

وللمؤسسات التعليمية دورها في تفعيل لوائح الانضباط المدرسي علي المتجاوزين، وإحياء الأنشطة المدرسية التي تستوعب الطلاب وتوجه طاقاتهم-خاصة الإناث- إلي حيث نفعهم ونفع الأمة.

 

وعلي القائمين علي الإعلام المصري أن يكفوا عن تلويث نفوس الناس بما لا يليق، وعلي العقلاء منهم أن يتبنوا ميثاق شرف إعلامي يؤكد علي ترسيخ الأخلاق الفاضلة وتهيئة مناخ يشجع علي الثقافة الحقيقية وليس العري وسفاسف الأمور.

 

ولسنا نغفل دور الأسرة وهو الأهم، ففي محيطها ينبت الأطفال كما تنبت الزروع. وما أصيبت الأسر في أبناءها إلا حين شغلتهم أعباء الحياة عنهم فتركت تربيتهم لمن يُجرف هُويتهم. علي الأسر أن تتفرغ للقيام بدورها الأساسي من حسن تربية النشئ، فكما لأبدان أبناءهم طعام، فلنفوسهم تزكية ولأرواحهم ترقية.

 

وهذه همستي في أسماع المعلمين والآباء والمؤسسات التعليمية، ولعلها مؤلمة بعض الشيء، لكن لطالما ترافق الدواء مع الألم.

 

إلى المعلمين: ما لكم كيف تحكمون؟ هل فقدتم عزتكم لمثل هذه الدرجة؟ أخشى أن نموذج “رمضان مبروك أبو العلمين حمودة” الذي أبدعه الفنان “محمد هنيدى” الذي تزوج من مطربة مشهورة، وعمل معها مساعدًا يجمع أموال الذين يقومون بتحيتها في موقفٍ مهينٍ للعلم وأهله، وأي إهانة تفوق وقوف المعلم موقف المتفرج المراهق اللاهث بعينيه خلف راقصات يثرن مكامن الشهوات على مرأى ومسمع من الطلاب الذين هم من المفترض أنهم متفوقون، وأن المدرسه تكرمهم لأجل تفوقهم، ألا بئس التكريم!

 

إلى الآباء والأمهات: أحسنوا اختيار مربي أبنائكم، وأنعموا النظر في مدارسهم وجامعاتهم فقد وُسِّد الأمر إلى غير أهله. تحدثوا بصوت عال بأنكم تريدون التربية في المقام الأول قبل التعليم .

 

إلى المسؤولين عن العملية التعليمية بمصرنا الحبيبة: المدارس والجامعات مؤسسات ثقافية في المقام الأول وانتكاستها انتكاسة للمجتمع، وحرى بها أن ترفع ذوقَ طلابها حتى يرتفع ذوق المجتمع. وليس الرقص والخلاعة ومبتَذَل الكلام والموسيقا مما يرفع الذوق العام في شيء؛ لذلك أربأ بمؤسساتنا أن تعبث بأذواق أبنائنا، أو أن تُسهم في قتل الفضيلة في نفوسهم .



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك