وكاد المعلم أن يكون.. موظف في مصنع!

5 أبريل , 2016

إن رسالية التعليم أمر لا نقاش فيه، فهي ليست مجرد وظيفة عادية ولا هي مجرد مصدر للرزق وفقط بل هي مسؤولية عظيمة يرتبط بها “مستقبل بلد”.

قم للمعلم وفه التبجيلا..!

إذا تحدثنا عن رسالية التعليم فلا شك أن المقصود الأول بحديثنا هو ذلك الشخص المربي الذي سمحنا له أن يقاسمنا الطباعة على أرواح أولادنا و عقولهم وينقش حروفه على تلك الصفحة البيضاء فإما أن يزيدها نورًا أو أن يصب عليها دواته دفعة واحدة فتسود.

فهل يدرك هذا المدرس حقًا ثقل هذه الأمانة، نماذج كثيرة لطلاب تركوا مقاعد الدراسة نتيجة لكلمة سخرية وجهها معلم أراد أن “يغير الجو” داخل الفصل، ولم يدرك أنه أحدث شرخًا عميقًا في نفسية هذا الطالب قد يصبح مع مرور الوقت تشوهًا نفسيًا ينتج عنه ما نراه اليوم في مجتمعاتنا من شذوذ أخلاقي وكسر لمنظومة القيم العامة وتعصبًا للذات، فقط لأنه أراد أن يثبت لنفسه المكسورة أنه “كامل” ولا يمكن لذلك المدرس أن ينتقصه بعد اليوم.

بين معلمي الأول وأستاذي الجامعي بين من حمل الأمانة ومن أشفق منها:

لا تزال صور معلمي الأول تدور ببالي ولا يمكنني أن أنسى ذلك التنافس الذي كان بيننا لرضاه وكيف أنه استطاع أن يجعل من نفسه محطة للثقة بين تلاميذه، فهذا يحكي له عن مشاكل البيت وآخر عن صعوبات الحياة التي يواجهها رغم صغر سنه، وكيف كان يزرع الأمل فينا وفي المستقبل رغم صوت الرصاص الذي كان يعلو خارج أسوار الصف، وكيف كنا نشعر بالأمان فقط لأنه موجود بيننا.

تلك الصور التي استرجعتها وأنا داخل إحدى المحاضرات الجامعية، في مثال لأستاذ “صديق” يعلم جيدًا أن علاقة الطالب بأستاذه أبدًا لن تنتهي بانتهاء ساعات الدرس، في صورة مميزة إن لم نقل أنها تكاد أن تكون منعدمة للأسف في جامعاتنا اليوم، وسط ما نعيشه من وجود كفاءات علمية لكن بغير رسالة حقيقية يقدمونها للطلاب وربما أعيد طرح سؤال طرحته سابقًا على صفحات زدني: هل من الممكن أن نتخذ مرجعية علمية من لم يعتبر عمله رسالة أخلاقية؟

وهنا قد يقودني الحديث إلى ذلك المقال الذي سبق لي أن ناقشت من خلاله دور “الجامعة كمرجعية علمية أم مجرد مؤسسة خدماتية“.

والذي تطرقت فيه لما عرضه الدكتور محمد عياش الكبيسي حول تغيير العلاقة بين الطالب والمربي من جهة وتغيير ملامح الأستاذ المربي من جهة أخرى من خلال تجربته الشخصية مع المدرسة ” الأصفدية” بالفلوجة والتي يمكنكم الرجوع إليها من خلال المقال.

فكثير من أساتذتنا اليوم للأسف يعتبر مهنة التدريس فقط مصدرًا لكسب الرزق دون أي اعتبارات أخرى، فتجده يقدم درس علمي جاف خالي من أي توجيهات، يمكنك الحصول عليه بمجرد بعض النقرات على “Google” فقد مر في مساري الجامعي على سبيل المثال (أستاذ و باحث) – بين قوسين مقصودين – كنا نلقبه “ويكيبيديا” في إشارة أنه يقوم بتحميل الدروس المقدمة من موسوعة ويكيبيديا الشهيرة دون أي تنقيح أو تعديل، ليقوم بحصة مطالعة موجهة مصحوبة بإملاء، وربما قد يكون هذا هو حال الكثير من الأساتذة اليوم ولا أقصد التعميم طبعًا.

ومع تزايد إضرابات الأساتذة خلال السنوات الأخيرة وتزايد مطالبهم من علاوات وحوافز جعل صورة المعلم تهتز اليوم لدى طلابنا، وربما قد يكون بذلك تحقق فينا اليوم باقي قصيدة أحمد شوقي “قم للمعلم” حين قال:

يا أرضُ مذ فقدَ المعلّـمُ نفسَه

بين الشموسِ وبين شرقك حِيلا

ذهبَ الذينَ حموا حقيقـةَ عِلمهم

واستعذبوا فيها العذاب وبيلا

وهنا وللأمانة دعوني أخبركم أنه ورغم وجود أثر لبعض الأساتذة الجامعيين عليّ سواء من ناحية أكاديمية أو حتى نفسية إلا هذا الأثر أبدًا لم يصل يومًا للأثر الذي خلفه معلمي الأول على شخصيتي، فأجدني في كثير من الأحيان متلبسة بأفكاره وحديثه وحتى “باللزمة” التي كانت ترافق حديثه.

لذا دعني أخبرك سيدي “المربي الأول” أنني حقًا أشفق عليك من هذه المسؤولية الملقاة على عاتقك، فتلك الروح التي سلمناها لك لترويها ستكون يومًا نتاجًا لما سقيتها به فإما أن تكون حياة لهذا الوطن أو موتًا يقطع أوصاله.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك