لقد مات مدرسي دون أن ألقى عليه تحية شكر

19 يونيو , 2016

أثناء متابعتي لأحد “الإيفنتات” الشهيرة على موقع التّواصل الاجتماعيّ “فيسبوك” “وجّه كلمة لأستاذك في الثانوية العامة”.. كنت أتابع المنشورات بدقة وكانت أغلبها مسيئة إلى المعلمين بشكل عام، والحديث عن مساوئهم، وتجد أيضًا قلّة ممّن يذكرون محاسن معلميهم والتي تفيض بالمشاعر الطيبة والود والعرفان لهم، كان أبرز ما قرأت هو قصة صديقتي إسراء عن معلمتها أ. مفيدة.. والتي أدهشتني من روعتها.

القصة منشورة على الرابط التالي “أشعر أنك ضنًى لي، وأعلم أنك لا تبادلينني الشعور ذاته”، هكذا كتبت المعلمة لصديقتي إسراء“.

وبعد نشره بعدّة ساعات توالت الإعجابات على قصّتها ومن أصدقائنا من يحمل قصّة عرفان مع معلميهم أيضًا، وهو ما جذبني لمتابعة منشورها والتّعليقات عليه، حتى وجدت زميلًا موريتانيا “أحمد ولد يحي” يدرس معنا بالجامعة، يضيف تعليقًا لا يقل روعة عن قصّة إسراء المنشورة.

تعليق لا يتعدى الأربع سطور ذكر فيه قصّة له مع معلّمه الذي توفي دون أن يسعفه الزمن على شكره؛ مما دفعني إلى التّواصل مع زميلنا “أحمد ولد يحي” لمعرفة تفاصيل القصّة كاملة، وتواصلت معه على أن يرسل لي القصّة كاملة، لم يغب كثيرًا حتىّ وصلني ردّه بالقصة كاملة، أترككم معها كما أرسلت إليَّ:

“قبل ثماني سنوات لم أكن أتصوّر أنّ يومًا سيأتي أبحث فيه عن مكان هادئ لطيف يُعين على تذكر ما يحصل حينها، ذلك أنّه في عصر التدفق المكثّف للمعلومات، أصبح من الصّعب، حتّى على شاب مثلي في بداية العشرينات، أن يتذكر الأشياء التي حدثت بالأمس بتفاصيلها الدقيقة، فما بالك بتذكر ما حدث قبل سنوات في ظروف مختلفة تمامًا.

الذي يسعى تذكره الآن، هو جانب يسير من يومياتي مع أستاذ اللغة العربية،

“المانه ولد عبدالله”- عليه رحمة الله – ذلك الرجل صاحب الضّمير اليقظ، والأخلاق الرفيعة، والحضور الملفت، والشخصيّة القويّة، واللّغة العالية.

ذات صباح شتوي من أواخر شهر ديسمبر عام 2008، كانت طائرات (F16) الصهيونية، تدك مدينة غزة المحاصرة، وكان المانه يُجري على عجل تغييرًا شاملًا في خطته التدريسية التي رسمها لنفسه؛ إذ لم يكن يَتبع خطة وزارة التعليم الثانوي، ليتحدث عن موضوع الساعة، الحرب على غزة.

سمعتُ في ذلك الصباح كلامًا من الحجم الكبير، حول القضية الفلسطينية، فيه قولٌ في القادة العرب -لم يقله مالك في الخمر-، ومدحٌ في المقاومة تضيق به الدنيا، ثم تهجمٌ شديد اللهجة على معاوية ولد الطايع، الرئيس الموريتاني الأسبق، الذي أقام نظامه علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيونيّ.

في مساء ذلك اليوم بدأت متابعتي للأحداث الكبرى، وأعتقد أن كثيرًا من زملاء الدرس كانوا كذلك، حقًا كان يومًا مفصليًا لم أكتشف أهميته في حياتي إلا مؤخّرًا.

ومع تواصل أيام الحرب، أصبحت دروس العربية دروسًا سياسية وإنسانية، وفي ذلك ربط للّغة بالأحداث الجارية، والانتماء الديني، والمبادئ الأخلاقية، كان المانه يتولّى القيام بذلك، هنالك في منتهى خريطة أرض العرب غربًا.

ومع ذلك، فقد كنتُ أرهبه كثيرًا، لا أحب الجدل معه، لأنه يؤدّي إلى كارثة بمعنى الكلمة، اللّوم الشديد، والتقريع المفرط، وكثيرًا ما كان يخاطبنا بعد فشلنا أحيانًا في إدراك ما يقصد توصيله من معانٍ ودلالات، بقول البحتري:

عليّ نحت القوافي من مقاطعها  .. وما عليّ لهم أن تفهم البقر!

ثم يرمي بالطبشور بعيدًا، ويغادر الفصل مغاضبًا، وذلك أسلوب تربويّ يُحترم – على قسوته -، فقد كان يدفعنا إلى مزيد من القراءة والتّحصيل، ويدفع الكسالى إلى مزيد من الكسل.

مرة خاطب جمعًا من الذين لا ينتبهون إلى دروسه قائلًا: لعمري لاستصلاح قطعة من هذه الصحراء، وأشار إلى صحراء جرداء مقفرة جنوب الإعداديّة، أفضل بكثير من الاستثمار في عقولكم، ولحساسية الموقف فإن بعضهم لجأ إلى الدمع وسادت لحظات وجوم وتوتر.

كان رحمه الله يرفض التعامل مع المناهج التي تبنتها وزارة التعليم، فقد كان يبحث في الكتب القديمة ويجهّز دروسه بعناية شديدة، وأذكر أن بعض النابهين من التلاميذ الذين درسوا النحو والصرف في المحاضر (الكتاتيب)، كانوا يأخذون على كل المدرسين أخطاء لغويّة، بينما كانوا عاجزين تمامًا، على مدى ثلاث سنوات، عن العثور على”المانه” متلبسا بخطأ في اللغة صرفيًا أو نحويًا.

وانتهت تلك المرحلة، – وعلى حين غفلة – وجدتني أذكر “المانه” في كل مرة ألحظ فيها ضعف المستوى اللّغوي لكل من علّمني بعد ذلك، حتّى في الجامعة، تذكرته في مدرّجات كلية القانون بجامعة نواكشوط، ثم في كلية الإعلام بجامعة القاهرة.

بعد أن أنهيت إجراءات سفري إلى مصر عام 2013، وحين عدت إلى مسقط الرأس لتوديع الأهل والأقارب، قرّرت البحث عن بيته، لم تدم عملية البحث طويلًا، فقد صدمت بخبر إنتقاله إلى الدار الآخرة، تاركًا وراءه جهدًا قيّمًا وذكرًا طيّبًا لدى جيرانه وكل من عرفه.

لقد مات مدرّسي دون أن ألقيّ عليه تحية شكر مستحقّة وواجبة، والحقيقة أنّه استحقّ عليّ كلمة شكر لم أقل مثلها بعد لأي إنسان على وجه اليقين، لكنّني أتمنّى وأدعو أن أقولها له في دار الحقّ، اللّهم اجمعني به في الجنّة – اللهم ارحمه واغفر له-.”

أنهى قصّته داعيًا لمعلّمه بالرّحمة والمغفرة، “فولد يحي” لم يستطع أنّ يشكر معلمه قبل أن يفارق دنيانا، قصّة نخرج منها بالعديد من العِبر، والعبرة الأهم في هذه القصة هي أن يدرك كل واحد منا من كان له الفضل في تعليمه في حياته ولا ينتظر حتى يفارقه، فيندم!.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك