صناعة المتحرّشين – للكبار فقط/ الحلقة الأولى

7 فبراير , 2013

[[{“type”:”media”,”view_mode”:”media_large”,”fid”:”482″,”attributes”:{“alt”:””,”class”:”media-image”,”height”:”183″,”typeof”:”foaf:Image”,”width”:”275″}}]]

 

 

 تمطر سماء القاهرة الآن أمطارا حمضية مُرّة بطعم الحنظل، تقحط الأرض وتميتها، تغتال أزهارها اليانعة، والهدف الظاهر إحياؤها، أمطار شتائنا لم تكن بردا وسلاما علينا، كانت قاسية قاسية جدا, كانت كما سكاكين الجراحين تكشف عن قلوبنا فتعريها، تعري ما بها من تعفن مر عليه الزمن وشاخ، نعم تعفن أبينا أن نراه! ظننا أن برودة شتاء الخامس والعشرين من يناير أنهته  لكن يبدو أن الأمر لم يكن كذلك، هذا هو الحال الآن! خمس وعشرون محاولة اغتصاب جماعي في أشرف ميادين القاهرة بعيدا عن سجالات السياسية التي لن ولم تنهي ولاتلوح لها في الافق انفراجة!

 

الظاهرة قديمة متجددة نعزيها للكبت أم لغياب الثقافة؟ دعوني أصف المشهد التالي ومنه نستشف:  في أحد أحياء القاهرة الفقيرة مدرسة إعدادية انتهى موعد دروسها ودق جرس الرحيل، عبارات لاتنتهي من المسبات لمدرس شاهد طالبا يمسك بيد زميلته في الشارع وآخر يسير وراء أخرى يلقي عليها بكلمات غزل لو سمعها نزار قباني لانتحر، والفتاة ترتسم على وجهها ابتسامة فرح وكأن الفتى سيتقدم لخطبتها غدا، ليس ذلك واقعا، ألم يكن ذلك المشهد يتكرر كل يوم قبل الخامس والعشرين من يناير وبعدها؟ إذا الثورة بريئة من تلك الظاهرة، لكن لماذا اختفت الظاهرة في ثمانية عشر يوما هي أيام الثورة المجيدة ثم عادت لتطل برأسها من جديد؟ ألم تكن ذات الفتاة؟ ذات اللباس؟ ألم يكن ذات الفتى بذات النفس والعقل؟ إذا ماذا تغير؟ لماذا تغيرت النظرة وعادت إلى سابق عهدها؟

         

ببساطة  لايمكن أن نحمل عاملا واحدا أو شخصا واحدا مسؤولية وصولنا للحضيض! نعم للحضيض في مصانع الأخلاق! منذ عدة أعوام استضافت مدرسة ثانوية مرموقة راقصةً لتقدم استعراضا للطلبة في حفل تخرجهم منها، راقصة شرقية وكان رد الإدارة أن بذلتها وافقت عليها وزارة السياحة, ومنذ عده أعوام أيضا كشف صحفي بجريدة الأمة المصرية عن مدرس أول ينتهك تلميذاته بنات الحادية عشر في بيته عند إعطائهن دروسا خصوصية، وسلسلة لا تنتهي من الزواج العرفي بين طلبة المرحلة الثانوية ومسلسل هروب الطالبات من منال أهاليهم لتعلقها بمدرس شاب في المدرسة أصبح مقررا يوميا عند مراجعة صفحات الحوادث، ثم بعد ذلك نتسائل من يصنع المتحرشين؟ ولم نمتلك الجرأة لنشير إلى ذلك الصرح التعليمي الذي كان يفترض به أن يكون منهلا أخلاقيا وعلميا، فالتربية مقدمة على العلم ولكن عذرا ياسادة ففي مدارسنا التربية على الطريقة الأمريكية وكل محرم مباح وإن كان مرفوضا فلتتم استباحته!

 

نحن – وللأسف- لا نمتلك الشجاعة الكافية لنسأل أنفسنا لم؟ وكيف؟ ومتى وصلنا لمرحلة انتهاك الذات وصناعة المتحرش صناعة يفرض إنتاجها اليوم نفسه على ساحتنا؟ كيف لم ننتبه ونحن نشاهد هؤلاء المسعورين في شوارعنا؟ كيف لم ننتبه ونحن نرى اللقطاء في ازدياد مطرد مخيف؟ كيف لم ننتبه ونحن نرى مدارسنا المختلطة والمفصولة تغلي لما يمارس فيها وبالقرب من أسوارها؟ كيف لم ننتبه لهذا الفيروس وهو يقتحم عقولنا؟ الإجابة بسيطة ياسادة إنه الخوف من مواجهة الذات بتقصيرها وعجزها وعدم امتلاكها أدوات التغيير وإعزاء ذلك إلى مخالفته الأعراف المجتمعية تحت كلمة أصبحت تأخذ معنى وشكلا بعيدا كل البعد عن محتوها ألا وهي "عيب"!  ألم تكن كل الحوادث السالفة الذكر عيبا؟ إذا لماذا لم يخجل أصحابها من ممارستها وهم من تربوا على ثقافة العيب؟ ولكن كيف لمن كان يجلس ليلا ليشاهد المواقع المشبوهة في قترة مراهقته أن يتوقف تحت وازع عيب وهو لم يؤمن بالمعنى الحقيقي والفعلي للكلمة ألا وهو الحرام؟!.                                   

 

                                                                                                                                                                                                     طالبة صيدلة إيكلينيكية

 

صناعة المتحرشين.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 2 تعليقان

منار بركات منذ 6 سنوات

لا شكر على واجب هذا دورنا هنا ان نسلط الضوء على افات المجتمع ونعمل على تعريتها ومعالجتها لا ان نكتفي بدفن رؤوسنا في الرمال سيكون مقالي مثمرا اذا حاولنا ان نزيد الوعي المجتمعي لدى كافة اطياف الشعب
شكرا لك كلماتك شهاده اعتز بها جدا 🙂

صهيب حجاب منذ 6 سنوات

برافوا على هذا التقرير
الموقع الشخصي

أضف تعليقك