غايتنا العلم

29 مارس , 2012

 
  إنّ الحديث عن إنجازات الدولة الإسلامية العريقة يُثيـر في ذهني أفكاراً كثيـرةً لا حدّ لها. 
كيفَ أنّ الحضارة الإسلامية كانت في محلّ القيادة والسيادة وفي المقدمة، تليها باقي الأمم التي كانت تُعاني الجهل والضياع، ومن تلكَ القمّـة هَوَت! سقطَ ذاكَ الصرحُ العظيم، واندثرَ، ليعلوَ على حسابه ويرتفع صرحٌ آخر، هناكَ في ظُلُمات أوروبا. 
إنه لأمرٌ يُثير الدهشة، كيف كانت دولتنا الإسلامية واسعة ممتدة، مترامية الأطراف، ثم بدأَت بالانكماش إلى أن تشتتْ وصارت شبه معدومة.
تعود الأسباب في نواتها الأساسية إلى الابتعاد عن دين الله تعالى والانشغال بمتع الحياة الدنيا، دبّت الفِتَن بين الخلفاء والوزراء، والسبب يعود للانجذاب نحو الحكم والأملاك والثروات، فصار الحاكم إن توّلى أمر المسلمين يقضي على أمراء الأسرة الحاكمة كي لا ينافسه أحدٌ في الحكم
في ذلك الحين، وعندما تهاوَت الدولة الإسلامية وفقدَتْ ازدهارها، وضاعت مُنجزاتها، واندَثرت الصروح العلمية ، والاكتشافات العظيمة التي وصلَ إليها المسلمون   في ذلك الوقت، كانت أوروبا تستفيقُ من غفوتها وسُباتها العميق، لتبدأ عصر النهضة، صعوداً على أنقاض الدولة الإسلامية. 
إنّ إنجازات المسلمين استُهلِكَت واستغلتها أوروبا أفضلَ استغلال لتحقيق غايتها وبناء تاريخ عريق تفخر به  ما كان لها يدٌ في إنجازه ولا اكتشافه. والواضح أّنّ ما سعَت له قد تحقق، فمنذ ذلك الحين والدولة الإسلامية في تراجع وتفكك وزيادةٍ في التخلف والرجعّية والتأخر عمّن حولها، في مُختلف المجالات
فالقِوى الدينية وعلوم الدين ضعيفة، والتمسك بالعقيدة والشريعة، لا اهتمام بالعلم ولا التفقه في الدين، تفشّى الجهل والبعد عن تعاليم الدين الإسلامي. في الصناعة، في العمارة، في العلم والبحثِ والدراسة، كلها كانت في قمة الازدهار، ثم اندَثرت وكأن شيئاً لم يكُن، ليحلّ محلها الجهل والتخلف والفقـر.
وإن أخذنا المزيد من الوقت والمساحة لتوسيع المقارنة بين الدولة الإسلامية الحالية "عالمنا العربيّ تقريباً " وأوروبا، فحدّث ولا حرج، فالفرق واضحٌ جليّ وضوحَ الشمس!
القيادة، التخطيط، والقواعد والقوانين العالميـة، كلها ليست من شأن دولة عربية أو إسلامية، إنما هي من اختصاص القِوى العُظمى في عالمنـا، وكلّ ما علينـا هو التطبيق.  
تدًّخلَتْ تلك القِوى في أدّق تفاصيلنا، فالأنظمة التعليمية على سبيل المثال  تخضع لكثيـر من عمليات التقييم الغربية، والتعديلات "التي هي في واقعها تخريبات!" التي لا تعود بنفعٍ ولا فائدة على الأجيال الناشئة، فإضعاف المناهج التعليمية، وإقصاء اللغة العربية والشريعة الإسلامية ما أمكَن عن المناهج، والاستعاضة عن التاريخ الإسلامي والمآثر الإسلامية وقصص الانتصارات التي تبثّ الحماسة في قلوب المسلمين   بالتاريخ الأجنبي والقصص التي لا تكادُ تُفيدنا أو حتى تهمّنـا، كلها عوامل مبطّنة لإعداد جيـل لا يفقه في تاريخه شيئاً، ولا يسعَى في مستقبله لأيّ شيء! وكلّ ما فعلنـاهُ هو التطبيق، فهذا هو التطور والتحضّر، وهذا ما أهدانا الغرب. 
الأنظمة الاقتصادية، الحيـاة الاجتماعية، الأعراف والتقاليد والأخلاق، التوّجهات السياسية، وغيـرها الكثير ، كلّ جوانب حياتنا وأدّق تفاصيلها تأثرَت بشكل أو بآخر منذ سقوطِ الدولة الإسلامية وحتى يومنـا هذا
تلخيصاً لما ذكرتُ وجَمعاً للفكرة، إنه لأمرٌ مستفزٌ أن نرى حالَ الأمة الإسـلامية الآن، ضعيفة لا حول لها ولا قوة، تقفُ مكتوفة الأيدي أمام التغيّرات العالمية، لا تساهم ولا تشارك، وكل ما لها فعله أو تملكه هو: السمع والطاعة.
ما الحلّ لذلك؟ وما المطلوب منّـا؟ لا أقول أن نستنفر في التوّ واللحظة، ونهبّ إلى الحرب والقتـال، بل إننا مطالبون و مسؤولون تمام المسؤوليةِ عن إعداد أنفسنا وبناء جيـلٍ قويّ، مثقف ومتعلّم، لا يُخدَع بسهولة، بعيد عن الجهل والضَلال، علينـا أن نعملَ على أنفسنـا بجديّة وبناءِ شخصياتنا لَبِنَة لَبِنَة، الأخلاق والاهتمام باكتساب مكارمها وحُسن التعامل مع الآخرين، العلم، وهنا أركّز وأشدد على العلم وأهميته، أخوتي وأخواتي، نحنُ صفوة الأمة، كرّمنا الله ورزقنـا من واسع فضله وأتاحَ لنا فرصة التعلّم، فلنكتسب العلوم بأمانة، ولنسعى ونجدّ ونجتهد في تحقيق أعلى مستويات التعلّم، لننسى قليـلاً الدرجات والمقررات والمعدّل ! القضيـة أهم وأكبر من ذلك، قد أخرج متعلمة ومستفيدة بتقدير (جيـّد)، وقد أحقق (الامتيـاز) بالغشّ مثلاً ! بالطبع لا أدعو للكسـل ولا أحرضُ على التنازل عن التميّز والتفوق، ولكني أحاول توضيح رسالة تجعلُ التعليم ممتعٌ أكثر، العلم هو غايتنـا، والمنفعة هي هدفنـا، لا الدرجات ولا التقديرات، وإن حققنا تلكَ الغاية وحرصنَـا على اكتساب العلم، ستأتي الدرجات كنتيجة للتحصيل والجهد والدراسة
ختاماً أقول، إنّ أول الخطوات لإعادة مجد الأمة هي إعداد جيـل مؤهلٍ لتحقيق تلك المهمة، بناء أفراد فاعلين فعّالين، لهم دورهم في مجتمعاتهم، ويحمّلون همّ أمتهم، يهمّهم مجدها، ويناديهم عزُّها، فيسعون جاهدين لاستعادة أمجادها وللرقيّ بها من جديـد


طالبة في السنة الثالثة
كلية الصيدلة – جامعة قطر



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك