هل تُحوّلنا أعباء الدّراسة والعمل إلى “الإنسان الآلة”؟ (الجزء الثاني)

3 سبتمبر , 2016

ذكرت في الجزء الأوّل من المقالة أنّ الكرب (سُنَّة الخلق) ينتج عن مُوتِّرات يومية في حياتنا، كالألم والجوع وقلّة النّوم والجدالات والخوف والفرح المُباغِت وتبييت الانتقام. ويصف بعض العلماء الإنسانَ كنظام صفات لا يعمل دون بُنية من الدّوافع motivations والمحفّزات والمُوتّرات -كما أنّ التّدافعَ سُنَّة (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ) – حيث تتحدّد مواقف الإنسان تجاه نفسه وتجاه الآخرين من خلالها، ومن خلال التّعامل معها، وهكذا تُصقَل سماتُه وميزاته: كالمثابرة أو الكسل، والإرادة أو الرّكود، والصّدق أو الكذب، والجرأة أو الانطواء، فتُحدِّد بذلك نشاطه وقيمه وأهدافه.

OriginalYerkesDodson

إلا أنَّ هناك حدًّا معيَّنًا لتحمّل الإنسان السّويّ السّليم للضّغوط، فيصف قانون “دودسون” Yerkes -Dodson تبعيّة غير خطيّة بين مستوى الإثارة والانفعال ونجاعة العمل.

فزيادة التّوتّر تُحسّن على المدى القصير بدون إجهادٍ كبير نجاعةَ التَّنفيذ. إلّا أنَّ هذه الضّغوط والمشاعر والانفعالات رُغم أنّها سببٌ رئيسيّ في تقدّم الإنسان ونجاحه، ستكون بعد مرحلة معيَّنة سببًا للاضطراب والتّشتّت، ما يشقّ على الإنسان العمل بنجاعة والتَّفكر بعقلانيّة والتَّصرف باتّزان.

 

سبق وذكرت أنّ في أيّامنا هذه في عصر السُّرعة، يعاني الكثيرون من الكرب المزمن، أي أنّ أجسادهم تفتقر إلى الوقت الكافي لموازنة هذه الضّغوط، وتعدم الوصول إلى مرحلة الاسترخاء، وإفراز هرمونات السّعادة ـ أي الدّورة الطّبيعية لتجاوز الكرب ـ وهذا التّعرّض للكرب المزمن والضّغوط على المدى البعيد يتمخّض عن أمراض نفسيّة وعضويّة. فالهرمونات التي يفرزها الجسم خلال مرحلة المواجهة كالكورتيزون والأدرينالين تقوم بدورها برفع نسبة السكر والأوكسجين بالدم ورفع وتيرة ضربات القلب وضغط الدم حتى تتوفر للجسم الطاقة الكافية لمواجهة الموتّر مما يجعل الكربَ سببا مباشرا لأمراض ضغط الدم والسكر فضلا عن امراض الاكتئاب ما لم تتبع هذه الحالة من الملحمة الهرومنية فسحة من الرخاء والتنفيس.

 

فالكرب الطّبيعيّ والضّغوط ليست هي المشكلة، وإنّما طريقة مواجهتها والتّكيّف والتَّعامل معها – Stress-Coping، هي العلامة الفارقة!

 

لكلّ منّا مفهوم مختلف عن الكرب، نستوعبه وندركه كلّ على طريقة فهمه، ونتعامل معه ونواجهه بطرقنا الفرديّة الخاصّة، وذاك متعلّق بتقييم الإنسان للمُوَتِّر الّذي يواجهه، وإذا ما كان يُقَيَّمة على أنَّه موَتِّرٌ صعب وّمُضنٍ أم موتّر سهل المواجهة (تقييم أوّلي للموتّر)، ومتعلّق كذلك بالموارد – Ressources المُتاحة لهذا الإنسان للمواجهة (تقييم ثانويّ للموتّر). وحسب هذه المعطيات الّتي يبنيها الإنسان لنفسه يبدأ بتخطيط استراتيجيّة ملائمة لحلّ عقدة هذا الموتّر.

 

هناك استراتيجيّات مختلفة لمواجهة الموتّرات والضّغوط:

استراتيجيّة التّكيّف العاطفيّ: مثلًا إعادة هيكلية الفكرة “الأمر بالنّسبة لي ليس بهذا السّوء”، أو الابتعاد الداخليّ “سأواصل وكأنّ شيئًا لم يكن”، أو التّعبير عن الأحاسيس الدّاخليّة الّتي تظهر على الإنسان بمزاج معيّن أو بمشاعر ظاهرة.

استراتيجيّة التّكيّف الموجّه إلى المُشكل الأساسيّ: وهذه الاستراتيجيّة تشمل بعكس الاستراتيجيّة العاطفيّة كلَّ السّبل والطّرق والمحاولات المبذولة من أجل تغيير الظّرف الحالي، مثل حشد المعلومات من مصادر مختلفة حول المشكلة أو الظّرف، كذلك جمع الأصدقاء والعائلة للمساعدة والدّعم.وهذه هي الاستراتيجيّة الأنجع!

كلتا الاستراتيجيّتين تتأثّر بأربعة عوامل مهمّة لتحسين المواجهة:

1- النّشاطات الّتي تقلّل من حدّة الموتّرات.

2- الرّياضة.

3- الهدوء.

4- الغذاء الصّحيّ.

 

بعد فهم دورة الكرب الطّبيعيّة، وكيف أنّ تراكم شحذ الطّاقة في الجسم وهدرها، وعدم إعطاء الجسم الوقت الكافي لإعادة توازنه، سيفضي إلى تراكم هذه الطّاقة الّتي ستؤدّي بالجسد بعد فترة إلى أعراض مُضنية، كالحرّة والتّخمة وحتّى الانهيار العصبيّ، علينا أن نعي بأنّ علاج أعراض الكرب لوحدها  كصداع الرّأس وآلام العضلات، بجرعات أسبرين أو آدفيل غير كفيلة بعلاج المشكلة، وإنّما الصّحيح أن نحلّ الأزمة الحاصلة بمعالجة جذريّة للمُوتِّر، وألّا نتعامل مع أجسادنا على أنّها آلات معدومة الأرواح، تأكل لتعمل وتتجرّع الدّواء لتشفى، وتشرب لألّا تجف. بل الواجب أن نلتفت لأرواحنا أيضًا، وأن نتعامل مع أنفسنا على أنّنا مخلوق روحانيّ. فمعالجة هذه الرّوح ومشاعرها هو الّذي يساعدنا بالأساس على الإنتاج والإبداع والتّعلّم بنجاعة.

 

يلخّص شاعر عربيّ هذه المعاني بأبيات رقيقة فيقول:

ياخادم الجسم كم تشقى بخدمته *** أتطلب الرّبح فيما فيه خسرانُ؟

أقبلْ على النّفس واستكمل فضائلها *** فأنت بالنّفس لا بالجسم إنسانُ

ودامت الصّحّة محيطة ومُكتنفة بأجسادكم وأرواحكم!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك