آثار لا تمحى: “الفهلوة” علينا حق

4 سبتمبر , 2016

قرّرت منذ بداية هذا العام أن أعود للصّفوف الدّراسيّة مرّة أخرى، وليس عن طريق المساقات الإلكترونية، الّتي لم أمتلك يومًا الالتزام والاصرار الكافي لإنهاء أحدها، ولكن عن طريق التّقديم في بعض الورش والبرامج التّعليميّة، بقدر استطاعتي للحصول على رفاق وزملاء دراسة جدد، لأنّني بحقّ أحبّ شعور الجلوس في فصل دراسيّ وتحصيل العلم مع الزّملاء.

بدأت هذه الخطوة مع الالتحاق بصفّ لدراسة اللّغة الإنجليزيّة لتحسين مستواي، ولأتمكّن من التّعامل بسهولة مع غير المتحدّثين باللّغة العربيّة، وفهم أفضل للمساقات الأجنبيّة الّتي أدرسها، بالإضافة طبعًا لأهمّيتها في العمل والدّراسة في حال رغبت في الحصول على منحة لجامعة أجنبيّة.

تخيّلت أنّ غالبية المتقدّمين مثلي ـ بطبيعة الحال ـ خاضوا تجارب مختلفة في نظام التّعليم المصريّ، تعتمد بشكل كبير على إجبارهم على تحصيل معلومات لا يرغبون في معرفتها بطرق لا تمتّ للأساليب التّربويّة والتّعليمية بصلة، وبالتّالي فمجيئهم لحضور هذا الصّف ـ في الأغلب ـ بإرادتهم الحرّة، للاستمتاع بالتّعلّم بطريقة مختلفة، بحسب علمي حول أساليب هذا المركز الّذي سجّلت للالتحاق به، ولكن بدا في النهاية أنّها مجرد خيالات وفقط.

“الفهلوة”:

بداية يجب أن يكون هناك توضيح لعنوان هذا المقال، ما هو تعريف الفهلوة؟

بالمصريّ “الفهلوة” هي قدرتك على إنهاء أمر بشكل سريع، دون اضطرارك لبذل الكثير من المجهود المطلوب فعليًّا لإنهائه، ففي بعض الأوقات تصبح الفهلوة أمرًا رائعًا عند وجودك في موقف حرج يجب أن تتحرّك سريعًا لانهائه، كاقتراب موعد امتحاناتك وعدم قدرتك على مذاكرة جميع مقرّرات المنهج، فتراجع سريعًا نماذج الامتحانات القديمة وتستشفّ الأسئلة الّتي يتمّ تكرارها وتحفظ إجابتها، فتستطيع أن تمرّ من الامتحان بسلام، ويحدث هذا غالبًا في نظم التّعليم الفاشلة، الّتي يشعر فيها الطّالب بالضّغط فيرغب في التّحرّر من قيودها بأيّ شكل، فيلجأ للفهلوة للمرور من السّنة الدّراسية وعدم تضييع وقته في المذاكرة لساعات بلا فائدة تذكر.

وفي أوقات أخرى لا تفيد الفهلوة عند وجودك في نظام تعليم محترم، يعتمد بشكل أساسيّ على بذل المجهود المحتمل، والّذي يحترم عقلك وظروفك الحياتيّة لاتمام مشروع أو مذاكرة منهج ما، واختبارك بشكل بسيط للتّأكد من قدرتك على فهم ما درسته.

مشكلتي الأساسية في رؤية “الفهلوة” تسيطر على حياة الطّالب المصريّ، حتّى بعد التّخرج ومحاولة الانضمام لنظام تعليميّ مختلف، وحتّى في العمل وفي الكثير من المواقف الحياتيّة، ممّا جعله “أثر لا يُمحَى” في شخصيّتنا، ولكن بالتّأكيد هناك من يستطيع التّغلّب عليه، ولكن بمواجهة بعض الصّعوبة في البداية، وهذا ما حدث معي حتّى الآن.

“علاقة الفهلوة بتجربتي”:

بالعودة للحكي عن تجربتي في صفّي الدّراسي الجديد، فلقد استمتعت بكل ما قدّمته لنا “مُعلّمتنا” على مدار 8 جلسات دراسيّة، تغيّبت فيها مرّتين لظروف قهريّة وشعرت بضيق شديد لتفويتي جلساتها الممتعة، ولكن!

كان هناك أمر وحيد يشعرني بالضّيق طوال الوقت، وهو بعض تصرّفات زملائي في الصّف، فأنا أدرك جيّدًا أن الصّفوف المملّة لا تثير اهتمام الطّلّاب، ويجب أن يكون هناك بعض المزاح من حين لآخر أثناء النّقاشات لإضفاء روح المتعة على الصّف، ولكن ما حدث هو تعامل بعض الزّملاء، والّذين تخطّوا مراحل التّعليم المدرسيّ بسنوات مع الصّف، باعتبارهم أطفال في المرحلة الابتدائية، فأغلب القواعد الّتي تمّ تنبيهنا إليها عند تسجيلنا في الصّف دمّروها باقتدار، وأهمّها على الاطلاق هو عدم التّحدّث بأيّ لغة غير اللّغة الإنجليزية أثناء الصّف.

لا زالت روح الفهلوة تسيطر على الأجواء، فهم يتعاملون مع أوقات الصّف باعتبارها فترة لطيفة يقضونها في المزاح سويًّا، والسّخرية من عدم قدرتهم على التّحدث بلغة إنجليزية سليمة، على الرّغم من أنّه أمر طبيعيّ، نحن هنا لنتعلّم، لا لأنّنا خبراء في علم اللّغة نجلس سويًّا لنتشاور في قواعدها ومستجدّاتها!

ولكن ما أراحني هو نهاية هذه التّجربة بما يليق بكلّ شخص لم يقدّر الاختلاف الذي يراه في هذا النّظام التّعليميّ المختلف.

” الحقّ”:

في اليوم الأخير لاختبارنا جميعًا فيما تمّ دراسته، ظهر ضعف “ظرفاء” الفصل في قدرتهم على إتمام أبسط مهام الاختبار، وفشل بعضهم في اجتيازه للمرور للمرحلة التّالية.

لم أشعر بالتّعاطف للحظة معهم في الحقيقة، ولكن حدث موقف أثار اهتمامي بشدّة مع أحد زميلات الصّف، الّتي تغيّبت خمس مرّات من أصل ثمانية، وكان المتوقّع أنّها لن تستطيع اجتياز الاختبار بكلّ تأكيد، ناهيك عن اعتقاد بعضنا بأنّها لا مبالية من الأساس، ولكن النّقطة الأهمّ كانت شرط الاختبار الأساسيّ، في عدم تغيّبك لأكثر من ثلاث مرّات لتستطيع الخضوع له، وهو ما لا ينطبق عليها، ولكنها أصرّت على أن يتمّ اختبارها، وتشاورت مع إدارة المركز لتقديم استثناء لها، وأخبرت “معلّمتنا” بأنّها قادرة على النّجاح ويمكنها سؤالها في أيّ ما تريد، وكانت المفاجأة في قدرتها على الإجابة على كل الأسئلة بشكل صحيح، لأكتشف في النّهاية بأنّها كانت تقوم بمراسلة زميلة أخرى لدينا في الصّف لتخبرها عن الدّروس الّتي تغيّبت عنها لتذاكرها، لأنّها لم تستطع الحضور لظروف شخصيّة صعبة.

كم كنت سعيدة للغاية بنجاح هذه الفتاة لأنّها أثبتت للحضور جميعهم بأنّ “فهلوتهم” السّخيفة لم تفدهم في شيء، هناك قواعد للنّجاح وتحصيل العلم، وأهمّها هو بذل الجهد المطلوب، والاصرار على النّجاح مهما كلّفك الأمر ومهما كانت الظّروف.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك