آثار لا تُمحى: الخوف من المعرفة

5 يوليو , 2016

قاطعت مشاهدتي للفيديو التّعليميّ الّذي أتابعه في هذه الدّورة التّعليميّة، الّتي أدرسها على “الإنترنت” بحرّية، لأكتب ما يجول بخاطري كلّما خطوت خطوة في طريقي للتّعلّم بحرّية بعيدًا عن نظام التّعليم الرّسميّ.

هناك شعور دائم بالخوف من التّجربة، والقلق من عدم قدرتي على الفهم أو استيعاب كل هذه المعلومات، كل ما هو جديد يمثّل تحدّيًا بالنّسبة لي، هل سأستطيع اجتياز الامتحان النّهائيّ؟ ـ هل سأتمكّن من فهم كل المعلومات المُقدّمة؟ ـ هل سأتذكّرها بعد الانتهاء من الدّورة، أم ستصبح في طيّ النّسيان كسابقتها من المعلومات الدّراسية العقيمة؟


knowledge-translation-and-exchange1

على الرّغم من سهولة الدّورات الّتي أدرسها، وحرص المُقدّمين على توفير المتعة والسّهولة والبساطة في توصيل المعلومات، حتّى في الاختبارات المطلوبة، دائمًا ما يصيبني هذا التّفكير؟

يُمكنني التّعامل معه باعتباره أمرًا طبيعيًا يصيب كل شخص في تجربة أمر جديد، ولكنّي أعلم جيّدًا، أنّ هذا الخوف هو أثر لا يُمحى، نتيجةً لأسلوب نشأنا عليه في نظام التّعليم الرّسميّ، الّذي يرهبنا طول الوقت ويخيفنا من الخروج عن النّص.

المعلومات خارج الكتاب المدرسي خاطئة، حتّى وإن احتوى الكتاب المدرسي على معلومات خاطئة، يجب عليك كتابتها كما هي في إجابة الامتحان “الوزارة عايزة كدة!”.

يمكنك الحصول على الشّهادة والتّقدير من المجتمع عند إتمام فروضك المطلوبة، والّتي لا تحبّها، ولا تتيح لك أيّ فرصة في التّجربة والبحث بشكل مختلف وحُرّ، ربّما لهذا السّبب أصبحت أحبّ البحث العلميّ كثيرًا، فهو يتيح لك الحرّية في التّفكير والبحث والتّجربة والاطلاع على كافة الآراء بدون تُعصّب للوصول إلى النّتيجة الحقيقيّة، أو الّتي تعتقد أنّها كذلك، حتّى يأتي غيرك ويغيّرها، لا توجد نسبة 100% أو درجة نهائيّة في الأبحاث العلميّة يجب عليك الوصول إليها.

أكيد ـ أنّ الأمر مُرتبط بسياسات الدّول بشكل كبير ـ فمن الأفضل أن يكون المواطنون خاضعين للأوامر، ويخشون التّجربة أو التّفكير خارج الإطار المرسوم لهم، حتّى يتسنّى لك الحكم ـ بسلام ـ وبدون إثارة التّساؤلات الّتي قد تحطّم سيطرتك على عقول هؤلاء المحكومين.

فالتّفكير أو الإيمان بأي عقيدة غير عقيدة الدّولة، حتّى ولو اخترت مذهبًا غير المذهب الرّسمي للدّولة من نفس ديانتك، حرام!

الإيمان بمبدأ أو فكر سياسيّ مُخالف لسياسة الدّولة، خيانة لصالح المتآمرين على مستقبل وطنك وثرواته، أيّ وطن وأيّ ثروات وأيّ مؤامرات خارجيّة؟! لا أعلم على وجه التّحديد.

لا يمكنني أن أتجاهل فكرة ربط الّتعليم بسياسات الدّول، والسّلطة على مرّ العصور، بل لا يمكنني تجاهل صلته بالقصص الدّيني، سواء كان الأمر له علاقة بديانتي أو ديانة غيري.

فلم أقرأ أي قصّة لعابد أو رسول أو نبيّ، استمع لقومه في حديثهم، وسار على نهجهم في التّفكير في الحياة وشؤونها، وبالنّسبة لي الدّين هو نهج حقيقيّ للحياة، لا أساطير وقصص خرافيّة يتداولها المشايخ والكهنة ورجال الدّين عمومًا على منابرهم.

غضب إبراهيم ـ عليه السّلام ـ من هذه الآلهة الآفلة، وسأل ربّه الهداية، وإلّا ليكوننّ من الضّالين، لم يجب عليّ أن أؤمن بنبيّ لم يخشى أن يُنكر آلهة آبائه أجمعين، ولم يخشى البحث عن الإله الحقّ بشجاعة وقوّة، وبعد ذلك يتمّ تكفيري أو تخويني أو اتهامي بالجهل، لأنّني لا أتّبع “ملّتهم” في نظرتهم للدّين أو السّياسة أو العلم.

أشعر بكل هذه الأمور، كلّما عملت أكثر مع أصدقائي في أحد المشاريع التّطوعيّة، على تبسيط العلوم وشرحها للنّاس، ومتابعة التّعليقات على النّظريات والمعلومات المقدّمة، فدائمًا ما يظهر ذلك الشّخص غير العالم، الّذي لا ينفك من تحريم كل حرف تخبره به، مشكلة حقيقيّة وكارثيّة ـ إن جاز التّعبير ـ ما فعله “المشايخ” عندما اخترعوا هراء الإعجاز العلميّ في القرآن الكريم، من أخبرهم بإنّني في حاجة لأن أعرف أنّ عدد الآيات في أحد السور يتطابق مع عدد إلكترونات عنصر أو ذرّة ما؟ ـ وماذا لو تمّ إثبات أنّ عدد الإلكترونات تغيّر؟ ـ هل سيصبح القرآن باطلًا في هذا الوقت؟

لا، بل سيصبح العلماء حمقى لا يدركون شيئًا، ويتآمرون على الإسلام لتشويهه، علّقت إحدى الفتيات على منشور خاص بالعالم “آينشتين” بأنّه “غبيّ”، فالعبقريّ الحقيقيّ يجب عليه أن يعرف أن الله واحد!

tdgf

 

لا أتخيل حجم الغباء الحقيقيّ، الّذي تمّ زرعه في عقولنا لنفكّر بهذه الطّريقة في العلم والعلماء، هل يجب علينا حقًّا التّعامل مع هؤلاء الأفراد؟ ـ ألم تفكّر للحظة بأنّ “آينشتاين” لديه حججه القويّة لاعتقاده الدّينيّ المُخالف لها؟ الحجج الّتي لا يشترط الإيمان بها على الإطلاق، ولكّني سأتفهم رؤيته لها، تمامًا كما يحدث عند تطبيق أسس التّفكير النّقدي على أي موضوع، سواء كان علميًا أو لا، ولكن بالطّبع لم يسبق لنا التّعامل مع هذا الأسلوب من قبل، فالتّفكير النّقدي يُمثّل إرهابًا لكلّ مغتصبي العقول الّذين يرغبون في السّيطرة عليها، بفكر أو اعتقاد واحد يخدم مصالحهم.

عمومًا، حديثي لا ينتهي في هذا الشأن، وربّما عليّ تخصيص مزيد من الوقت في البحث والكتابة، عن أساليب التّفكير والّتعلّم، وعرضها لأشعر بمقاومتي ولو بقدر بسيط لهذا الجمود المسيطر على العقول في مقالات قادمة، ولكن عليّ الآن أن أنهي حديثي عند هذا الحدّ، لاستكمال دراستي بعد تفريغ شحنة الخوّف من المعرفة، بالكتابة عنها، وعن أسبابها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات تعليق واحد

أضف تعليقك