أتهم الدولة بالتدمير الممهنج للمدرسة العمومية!

3 ديسمبر , 2016

%d8%a7%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%8a%d9%85-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba%d8%b1%d8%a8-700x500

من بين الأسئلة التي يراد لها أن تظل في طي الكتمان، وأن تبقى في منطقة اللامفكر فيه: هل الدولة فعلًا تملك إرادة حقيقية لإصلاح التعليم (العمومي خاصة)؟ هل تنظر الدولة حقًا إلى التعليم كحق إنساني، وكأساس لتنمية بشرية مستدامة وحقيقة؟

في اعتقادي أن “الدولة” تتعامل مع المدرسة العمومية بمنطق الاستهتار واللامبالاة إلى حد يثير الغثيان. فما هي المؤشرات التي تؤكد هذا القول؟

فرض المرسومين المشؤومين مع بداية الموسم الدراسي السابق، دون الأخذ بعين الاعتبار ما سيخلفه ذلك من آثار سلبية على نفسية الأساتذة المتدربين، وحجم المعاناة المادية والمعنوية التي تجرعوه، وهم المقبلون على دخول غمار مهنة التعليم، بما يعيشه من أزمات في مجتمعنا.

لقد كان من المفروض أن توفر الدولة لهذه الفئة الشروط الموضوعية التي تيسر مهمتهم، وتجعلهم يقبلون عليها بالكثير من الفخر والاعتزاز.

على خلاف ذلك شاهد الكل كيف نكلت “الدولة” بالأساتذة المتدربين، وأذاقتهم ويلات القمع والتفقير.

وبعد أن تم إيجاد حلول ترقيعية للأزمة. انضافت إلى المحن السابقة محنة تحمل الضغط الناجم عن تكديس التكوين النظري في بضع أسابيع. لتبدأ بعد ذلك محنة تحمل مسؤولية الفصول الدراسية، دون تلقي التدريب الميداني (مع ما يعنيه ذلك من ضغط أكبر).

أضف إلى ذلك المعاناة المادية الناجمة عن تقليص المنحة، والامتناع عن صرف التعويضات التي وعد بها الأساتذة. علمًا أن هذه الخطوة هي أشبه ما تكون بسرقة أجورهم المستحقة. وها هي تفعل الشيء نفسه (القمع واللامبالاة) مع خريجي البرنامج الحكومي 10000 إطار. فهل هذه دولة تحترم نساء ورجال التعليم؟ ألا تقدم بهذا دليلًا ناصعًا على مدى احتقارها للمدرسة العمومية؟

لن تتوقف جرائم الدولة بحق التعليم العمومي عند هذا الحد. بل ستلجأ إلى ابتداع “الكونطرا” في التعليم. وضرب الحق في الترسيم، وولوج الوظيفة العمومية. وهي إجراءات تستهدف أبناء وبنات الشعب.

ومما زاد الطينة بلة سعي “الدولة” إلى توظيف أساتذة بدون تكوين. وكأن التدريس مهمة يمكن القيام بها كيفما اتفق. وكأن الدولة تعطينا دليلًا آخر يفيد أن التعليم بالنسبة لها ليس إلا قطاعًا غير منتج وجب التخلي عنه. (وقد سبق لرئيس الحكومة أن صرح بهذا الأمر دون استحياء في الذكرى الخمسين لتأسيس البنك الأفريقي للتنمية بالرباط).

أليست الرسالة التي تريد “الدولة” أن تبعث بها إلى آباء وأمهات التلاميذ هي “ادفعوا من جيوبكم أكثر إن أردتم تعليم أبنائكم وبناتكم” عليكم بالمدارس الخصوصية فهي سبيلكم الوحيد للنجاة بأبنائكم وبناتكم؟ (مع العلم أن تمويل التعليم العمومي يتم من جيوب دافعي الضرائب وليس مجانيًا كما يروج ).

نحن إذن أمام سياسة ممنهجة لتدمير المدرسة العمومية، وتقديم هدايا مجانية للتعليم الخصوصي. فما هي بعض المؤشرات التي تعزز هذا الاتهام؟

– إغلاق حوالي 200 مدرسة عمومية منذ سنة 2008. (وتفويت بعضها إلى مدارس وكليات خاصة)

– ارتفاع نسبة التعليم الخصوصي إلى 14 بالمائة سنة 2014، التي لم تكن تتجاوز حدود 9 بالمائة سنة 1999.(تتحدث بعض الدراسات عن ارتفاع هذه النسبة سنة 2038 إلى 90 بالمائة مما ينذر باندثار المدرسة العمومية).

– تقديم تحفيزات مادية للمدارس الخاصة، مع قروض بنكية بنسب فائدة منخفضة. ناهيك عن الإعفاءات الضريبية (وهذا ما تقر به الرؤية الاستراتيجية للإصلاح نفسها).

– في هذا الإطار أيضًا يدخل مشروع فصل التكوين عن التوظيف بهدف تكوين أساتذة من المال العام، ثم الدفع بها للعمل في المدارس الخصوصية (دون أن تسهم ماديًا في تكوينهم).

– الانخفاض المهول في الأطر الإدارية والتربوية (تم تقديره من طرف بعض الدراسات ب 30000 أستاذ(ة) سنة 2015) الشيء الذي يتم تداركه بآليات ترقيعية (حذف بعض المواد الدراسية- الأقسام المشتركة…). وينتج عن ذلك الاكتظاظ الذي يؤثر سلبًا على العملية التعلمية. كما يضع الأسر أمام حلين أحلاهما مر : الانخراط في “موضة” التعليم الخصوصي أو الاستسلام للأمر الواقع. مادام بناء المدرسة العمومية ذات الجودة يتطلب إرادة سياسية للدولة قبل كل شيء.

– من المبادئ التي رفعت كشعار لإصلاح المنظومة التعليمية (منذ عقود): التوحيد والتعريب والمجانية ومغربة الأطر التعليمية. لم يتحقق إلا المبدأ الأخير. أما المبادئ الأخرى فقد ذهبت أدراج الرياح.

– هناك توجه قوي للتراجع عن مجانية التعليم (الذي ليس كذلك في الحقيقة ما دام المواطن يموله من الضرائب المباشرة وغير المباشرة التي يدفعها). وهذا واضح في ارتفاع تكاليف التسجيل بالثانوي التأهيلي مثلًا. وفرض رسوم للتسجيل بالتعليم العالي (كما تنادي بذلك الرؤية الاستراتيجية للإصلاح ). وواضح أيضًا في توجهات الحكومة التي ما فتئت تنظر للقطاعات الاجتماعية باعتبارها عبئًا وجب على الدولة التخلص منه.

– التخبط الواضح فيما يخص مسألة لغات التدريس. فالتعريب اقتصر على التعليم الثانوي دون أن يشمل التعليم العالي. والآن هناك توجه آخر لتدريس المواد العلمية بالفرنسية. مع ضروة استحضار الصراع الخفي بين أنصار الفرانكوفونية، والتوجه الأنجلوساسكوني، ودون نسيان التيارت المحافظة التي تزعم الدفاع عن اللغة العربية (مع أن أبناءهم يدرسون في مدارس البعثات الأجنبية).

– الأرقام المهولة عن الهدر المدرسي ( أزيد من مليون طفل تتراوح أعمارهم ما بين التاسعة والرابعة عشرة، خارج أسوار المدرسة. حوالي 400 ألف طفل يتركون مقاعد الدراسة سنويًا).

– ضعف البنية التحتية للكثير من المؤسسات التعليمية، وافقتادها لشروط التمدرس (اهتراء القاعات الدراسية – غياب المراحيض والكهرباء والماء، خاصة بالوسط القروي).

– استمرار ظاهرة الأمية التي تخترق المجتمع ككل (حوالي 10 ملايين مغربي يعانون من الأمية ).

والأمر من ذلك أن جل (إن لم أقل كل) الفاعلين القائمين على تدبير شؤون التعليم العمومي ( الوزراء- أعضاء المجلس الأعلى للتربية والتكوين – النواب البرلمانيون…) لببلادنا لا يدرسون أبناءهم في المدرسة العمومية. فكيف يمكن أن نأمل منهم خيرًا؟

– شيئًا فشيئًا يتحول التعليم إلى امتياز (حصري لأبناء الطبقة القادرة على دفع تكاليف مدارس البعثات الأجنبية والمدارس الخصوصية خمس نجوم). ويكف عن أن يكون حقًا من حقوق الإنسان. الأمر الذي يضرب في العمق مبدأ تكافؤ الفرص بين التلاميذ المغاربة، ويقوض أحد أسس العدالة الاجتماعية.

– هناك توجه واضح – في مشاريع الإصلاح التي يروج لها- نحو تكريس ما يسمى ب”المدرسة المقاولاتية”. وتثمين التكوين المهني على حساب التعليم العام. بغرض توفير يد عاملة مؤهلة مهنيًا وتقنيًا (ورخيصة أيضًا) لخدمة المصالح المادية لأرباب الشركات، وتلبية جشع الرأسمالية المتوحشة. وحتى يتم إحكام السيطرة على هذه اليد العاملة فمن الضروري فصلها عن العلوم الإنسانية والفلسفة (وما احتقار وزير التعليم العالي الداودي للشعب الأدبية إلا مؤشر على ذلك)، التي يمكن أن تقدم لهم أدوات فهم وتحليل وتفسير للواقع الاجتماعي والإنساني.

باختصار المطلوب تكوين “مختصصين أغبياء” بتعبير الفيلسوف إدغار موران.

السؤال الذي يصعب علينا جميعًا التفكير فيه هو: ماهي التكلفة المادية والاجتماعية التي ستنجم عن التدمير المتواصل للمدرسة العمومية؟ والسؤال الذي ينبغي إثارته أيًضا: من المستفيد من وراء تدمير المدرسة العمومية؟



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك