أثر الفراشة “مراجعة للنفس”.

29 أغسطس , 2016

هل يمكن لشخص يكره السّيطرة ويعاني من “الدّيكتاتورية” وعبادة الأشخاص لا تقدير القيم والمباديء، الوقوع في شرك الوصول للنّموذج المثاليّ (القدوة)، الّذي يسعى الجميع لتقليده والاقتداء به، بينما هو في الحقيقة لم يفعل سوى الصّواب؟


دائمًا ما أعتبر “زدني” مساحتي الشّخصية للتّعبير عن أفكاري، الّتي تعتمد بشكل كبير على تجاربي الشّخصية، ولا يشترط أن تكون هذه الأفكار بناء على أسس علميّة أو أكاديمية في مجال التّعليم.
لماذا طرحت هذا السؤال في المقدّمة؟ بسبب شعوري بالضّيق من الحديث أكثر من الفعل، وضيقي من الإعجاب بالفعل حتّى ولو كان بسيطًا ولم يحدث تأثيرًا كبيرًا.

كنت قد وصلت لقناعة بأنّني لست “بطلة أسطوريّة” ولا أسعى لتغيير الكون، أو ربّما أسعى لتغييره ولكنّي لست الوحيدة الّتي تقوم بذلك، ففي الواقع كلّ البشر يقومون بهذا الفعل في كلّ لحظة، باختياراتهم وقراراتهم، فأصبحت أؤمن تمامًا بأثر الفراشة، وفي حال عدم وجود علم لدى قارىْ هذه السّّطورـ بمعنى هذا المصطلح ـ فأقتبس من”ويكيبيديا” هذا التعريف له:

“يشير هذا المصطلح في الأساس إلى أنّ الفروق الصّغيرة في الحالة الأولى لنظام متحرّك —ديناميكيّ— قد ينتج عنها في المدى البعيد فروقات كبيرة في تصرّفات وسلوكيّات هذا النّظام [1].

وهذا التّعبير المجازيّ يصف تلك الظّواهر ذات التّرابطات والتّأثيرات المتبادلة والمتواترة، الّتي تنجم عن حدث أوّل، قد يكون بسيطًا في حدّ ذاته، لكنّه يولّد سلسلة متتابعة من النّتائج والتّطوّرات المتتالية، والّتي يفوق حجمها بمراحل حدث البداية، وبشكل قد لا يتوقّعه أحد، وفى أماكن أبعد ما يكون عن التّوقّع، وهو ما عبّر عنه مفسرو هذه النّظريّة بشكل تمثيلي يقول ما معناه: أنّ رفرفة جناح فراشة في الصّين قد يتسبّب عنه فيضانات وأعاصير ورياح هادرة في أبعد الأماكن في أمريكا أو أوروبا أو إفريقيا”.


لذا أعتقد بإنّ سائق السّيارة الخاصّة بعالم يتّجه لجامعته لاكتشاف علاج جديد لمرض أنهك البشريّة، هو أحد أسباب نجاح هذا العالم في يوم ما، وبناء عليه فلا أعلم لماذا أشعر بالفخر والسّعادة بنفسي عند تحقيق إنجاز ما، إن أمكن تسميته إنجازًا، أصبحت في موضع حيرة بين تقدير الذّات والتّواضع أو التّقليل والحطّ من قدر أفعالي، الّتي أقارنهاـ في بعض الأوقات ـ بأفعال من هم في سنّي، وأستطاعوا تحقيق الأفضل منها، أو الأكبر منها، وفي نفس الوقت أفكّر في قدراتي وعدم رغبتي في أن أكون مثلهم، ففي النّهاية أنا راضية عن اختياراتي في الحياة إلى حدّ كبير، ما يضايقني فقط هو قلّة مجهودي.
أفكّر… هل المشكلة في البيئة المحيطة بي: في هذا العالم الّذي يعاني من الصّراعات المستمرّة والقتل والدّمار في كلّ بقاعه، فأصبح أيّ عمل بسيط يدخل السّرور على قلبي ويشعرني بالإنجاز العظيم، بسبب الفشل المحيط بي في الصورة الكبيرة لوطني؟

أنظر إلى تلك الصّورة وأرى شبابًا رائعين ناجحين في كلّ مجال، في كل مجال ـ فعلًا ـ يعملون بأقلّ الإمكانيات المتاحة ولا يتذمّرون على الرّغم من غضبهم وثورتهم السّابقة على أنظمتهم الحاكمة، ويعملون بجدّ لتحقيق النّجاح، ومساعدة المحتاجين في بلادهم لعلومهم ونجاحهم، لمنحهم الأمل في غد أكثر إشراقًا، لأنّه ربّما لم تعد ثورتنا تفيد، أو ربّما ليس وقتها الآن.


لا أملّ من تكرار كلمة “أنا عندي أمل” بسبب كلّ ما رأيته في أعين طلّابي وحماسهم وقوّتهم وتمرّدهم على الواقع المحبط، وعلى ذكر طلابي، ربما هم السبب الأساسي في شعوري السيء تجاه نفسي وكتابه هذه السطور.


هل كنت أتفاخر بهم حقًّا وبأعمالي معهم دون أن أدري ذلك؟

ماذا فعلت باستثناء القيام بالواجب والتّقصير في حقّهم في أوقات كثيرة؟
هل رغبت في أن أصبح في نظرهم المعلّمة المحبوبة، القائدة، الّتي يستمعون إلى كلّ نصائحها وأوامرها، لتحقيق أحلامها في رؤية غد أفضل؟
لماذا أحمّلهم فوق طاقتهم؟ هم غير مطالبين بتحمّل نتائج الفشلة والظّالمين الّذين أوصلونا لهذا الحال.


ولكن أعود لأفكّر، صحيح نحن لسنا أبطالًا، ولكنّنا أصبحنا ندرك بأنّ هذا العالم ليس عادلًا بما يكفي للحياة بسلام طوال العمر، ولا توجد ضمانات لأيّ شيء، فلماذا لا نربّي أبناءنا، ونبثّ الأمل في نفوس أصدقائنا، الّذين يقاتلون معنا بناء على هذه الفكرة؟
على الرّغم من كونها تبدو فكرة غريبة ومحبطة أكثر منها مدعاة للأمل والتفاؤل، ولكن هذا ما نملكه، “نملك الخيال وخيارنا الأمل”، نملك الفعل والجهد وعدم تكليف النّفس إلّا وسعها، فربّما بذلك نستطيع تحقيق السّلام الدّاخلي لأنفسنا على الأقلّ، وتقدير واحترام الأفعال الجيّدة منها، دون الوقوع في فخّ المبالغة أو الغرور، ودون التّقليل من كلّ ابتسامة في يوم مُظلم قادرة على إنارة أنفسنا بالحياة مرّة أخرى.

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا).

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك