احذر أعداء الثقافة

10 مايو , 2016

 

التعالم:

وهو أن يغتر المرء بقليل ما حصّله من علم أو معرفة بتوفيق الله، لمجرد أنه قرأ كتابًا أو سمع مادة، فيعد نفسه في فئة النخبة وطائفة المطّلعين، فهذا لم يطلب العلم للعمل، وإلا كان انشغاله بالعمل والتطبيق يحفظه من تلك التوهمات التي تصيب العقول الجوفاء. فأول العمل بالعلم هو دوام استحضار قول الحق جل وعلا: “وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” [الإسراء: 58]، “وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ” [يوسف: 76]. العلم الحق يورث الخشية من الله والعرفان لفضله وتوفيقه.

التعجل للتصدر:

القاعدة هي: “نفسك أولًا فابدأ بها”، فإن عجزت عنها فأنت عن غيرها أعجز، بعد أن يهذب المرء نفسه، ويقبل عليها يتعهدها ويكفيها ويملأ إناءه، سينضح هو تلقائيًا ويفيض بالفضل على من حوله، لكن كيف يفيض الإناء الخاوي؟

لأنك إن رحت تصرف من رصيدك الأساسي الذي تحتاجه، سيأتي عليك وقت لا تملك ما تنفق به على نفسك أو غيرك، وتصير يدًا سُفلى بعد أن كنت عليا، فتفرغ لنفسك أولًا يزدَدْ عطاؤك لاحقًا، فالعلم كثير، إن أعطيته كلّك لم يُعطِك إلا بعضه، ومن أعطاه بعضه لم يعطه شيئًا، فمن وفّى لنفسه حظَّها من العلوم والمعارف، لم تخنه نفسه وقت العطاء العلمي، وكما أنَّه لا يمكن أن يسبق الجود بالمال قبل جمعه، فالعلم لا يمكن الجود بقليله قبل وجود حظ كاف منه.

الغائية:

ويعني أن يتحول طلب العلم وبناء الثقافة لغاية في حد ذاته، بدل أن يكون وسيلة للارتقاء في عبادة الله على بصيرة، وعمران الأرض ونفع الخلق على هدى، ومع أنه تالِ في قائمة العوائق، إلا أنه كثيرًا ما يكون المنبع للآفتين السابقتين، فترى الغائي يحرص على المباهاة والمفاخرة، ومن ثم تكون ثقافته في الحقيقة ضحلة وسطحية مهما بدت براقة، لأنه يقارن مستواه بالآخرين، فطالما أنه يعرف أكثر لن يسعى للاستزادة، تقويم القصد وتعهد النية، والإلتزام بمعايير الحاجة والنفع بغض النظر عما تجري به الموضة الثقافية، كفيلون بعون الله تعالى بتقويتك في وجه تلك الآفات وحفظك منها، فاحفظ الله يحفظْك.

الرَّففية:

وهو الذي يجمع العلم ليضعه على الأرفف، ويضع منهجًا للقراءة اليوم ليبدله غدًا، ويتنقل بين المكتبات ينتقي أصناف الكتب ليملأ بها مكتبته، إنما مثل هذا النوع كمن يفن عمره وهو يجمع أدواته استعدادًا للقتال، فمتى إذًا يحارب؟! وكما أن المال كلما ازداد ازدادت زكاته، كذلك العلم كلما تيسرت لك أسبابه صار حجة عليك إن لم تقم بحقها.

269563_415344581853313_156337014_n

من الجيد أن يكون لك فترة بين الحين والآخر تتوقف لتراجع نهجك وتحسب أرباحك وحصاد زرعك، هذا أمر محمود ومطلوب، أما إدمان تغيير المنهج والاكتفاء بلذة التخطيط والتمني، فسيقودك لتوهم ثقافة متينة وعلم راسخ ليس لك من أي منهما نصيب!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك