اخْتِزَالُ التَّعْلِيمِ الْجَامِعِيِّ- دَارُ الْعُلُومِ نَمُوذَجًا

6 ديسمبر , 2017

 

حَكَى لنا بعضُ أساتِيذِنا في دار العلوم بجامعة القاهرة أنهم كانوا يدرُسون العامَ كلَّه ويُمتَحَنُونَ في آخِرِه مرةً واحدةً[1]، وأن هذا النظام كان يمكِّنُهُم من أمور:

منها: أن يكون القَدْرُ المطلوبُ منهم دراستُه وإتقانُه كبيرًا؛ لأن المحاضراتِ مستمرةً طَوَالَ العامِ الدراسيِّ، ولا وقتَ يُقتَطَعُ لتهيِئَةِ الكلية للامتحانات، وتهيئةِ الطلابِ بملازِمِ الامتحانات السابقة حتى يَستِعِدُّوا للحصولِ على أكبر قدر من الدرجات، لا أن يتقنوا أحسن إتقان للمعلومات والمهارات اللغوية والعلمية المطلوبة، من باب: “لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا” لا أَيُّكُمْ أَكْثَرُ عَمَلًا، وإن دخَلَتِ الكَثْرةُ في الإحسان فَقِسْمٌ منه لا قَسِيمةٌ له.

ومنها: أن يَقْدِرَ الطالبُ على ممارسة الأنشطة في جَدْوَلٍ وَاسع؛ فيَحضُر المؤتمراتِ الكبيرة المتخصِّصَة، ويتابعُ مناقشاتِ الرسائلِ العِلْمية في الكُلِّية وخارج الكلية في مجال التخصُّص، كما يُتيحُ له التوسُّعَ خارجَ التخصص؛ لأن الازدياد الثقافي في هذه المرحلة مهمٌّ جدًّا وخَطِير في تكوين عقل الشابِّ الجامعيِّ والفتاةِ الجامعية.

 

النشاط الطلابي:

وكلُّ من مارسَ النشاطَ الطلابي –كالاتحادات والأُسَر وما أشبه ذلك- يُدْرِكُ أن الجدول الضيِّقَ يُقَلِّلُ جدًّا من عدد الفاعليات التي يَضُمُّها العامُ الدراسي، ويجعل إشرافَ الأساتذة على النشاط إشرافًا صوريًّا، لا يملِكُ الإتاحة الكافية لإفادة الطلاب وتعهُّدهم ومتابعة حركتهم الطلابية.

كما أن حضور المحاضرات في مَعْزِلٍ عن ضَغْطِ الامتحان يجعلُ من التعلم لَذَّةً ومتعةً لا أهدافًا تُحَقَّقُ وعلاماتِ حضورٍ تُسجَّل، فالعاطفةُ هي التي تدفع المرءَ للتعلُّم، والذاكرة العاطفية هي التي تجعل المعلومة محفورة في نفس الطالب، وإلا فيُمكنه أن يقرأ الكتابَ، ولا حاجةَ للدراسة الجامعية ابتداءً، ولَهُ البُشْرَى بأنه لَنْ يتعلَّم شيئًا إن شاء الله.

 

فَنْقَلَةٌ:

فإنْ قُيل: إن هذا النظام يُضيَّع فيه الطالبُ بين الْمُلْهِيَات طَوَال العامِ، ولا يَتذَكَّر إلا آخرَه، والجوابُ عن ذلك: أن الطالبَ الذي يريد التعلُّمَ والتمتع بالتعلُّم يَعْلَمُ كيفَ يتواصل مع أستاذه، وأين يَضعُ وقتَه ونفْسَه، والطالب الآخر الذي قصد تضيِيع الوقتِ والتمتُّعَ بلا تعلُّمٍ فسينشغل بهذا أيًّا كان النظامُ الدراسيُّ، والطالب الثالث المشغولُ بالعمل وجَنْيِ الْمَال خارجَ الجامعةِ سيظل كذلك أيضا.. فلا وَجْهَ للفَنْقَلَة.

 

نظام الفصل الدراسي:

ثم جاء نظام الفصل الدراسي، فتقَلَّصَ المقرَّرُ من حيث هو مقررٌ رسمي، حتى يمكِنَ للأستاذ أن يَمُرَّ به في الْمُدَّة المتاحة له، علمًا بأن الطالبَ سينشغلُ قبل الامتحانات بما ليس من شأن العلم، فملازم امتحانات الكلية في السنوات الماضية، وملازم تلخيص المقررات، والكتاب الجامعي نفسه، كلُّ ذلك ليس من العلم في شيءٍ؛ والمقصود هنا العلمُ من حيث هو إتقان لا العلم من حيث هو درجاتٌ في الامتحان، والإتقانُ يستتبع دخول الطالب المكتبة يقصد كتابًا من أمهات الكتب في التخصص فيعرِضُ له غيرُه فيَقْرَؤُه، أو يقرأُ مِنه، ثم يعودُ للأوَّل، وهكذا فتتكون له ثقافة يمكنها تجاوز ثقافة الأستاذ، ويكون الأستاذ مرشدًا أكاديميًّا فاتحًا للآفاق دَالًّا على المراجع ضابطًا لحركة الطالب بينها، مقوِّمًا لسلوكه الفكريِّ والعلمي، لا مجهزًا للطالب لاجتياز الامتحان كمدرِّس الثانوية والعياذ بالله تعالى.

 

إلغاء بعض أبواب العلم:

وزاد في هذا النظام أن الأستاذ صار يلغي بعض الأبواب أو يختصرها؛ لأن الامتحان اقترب، ولا يجد وقتًا كافِيًا لشرح ذلك، ومن أساتذتي المباشرين المتخصصين في الأدب العربي من درَس في مرحلة الليسانس حوالي 60% فقط من بحور العَروض[2] التي في الشِّعر؛ لأن الباقي أُلغِي؛ لأنه لا وقتَ له، فصار عليه أن يذاكرَه وَحْدَه؛ لأنه سيصير أستاذًا متخصصًا في الشِّعر؟!

نَاهِيكَ عن أن تكون له درايةٌ بعِلم أصول العروض، وفلسفةِ ذلك المرتبطة بعلم الأصوات والصرف!

علمًا بأنه عند تخرُّجِهِ كان بتقديرِ ممتازٍ، وعُيِّنَ مُعِيدًا؛ فهذا مُعِيدٌ في قسم الدراسات الأدبية بمرتبة شرفٍ لم يسمع عن نصف علم العَروض تقريبًا! رباه رباه!

 

قبل نظام الفصل الدراسي:

لم يَكِنِ اختزالُ التعليمِ من نظام العام الدراسيِّ إلى نظامِ الفصلِ الدِّرَاسيِّ أولَ اختزالٍ له في دارِ العلوم، فقد كانت دارُ العلوم قبلَ ذلك تَضُمُّ سَنةً قبليةً تجهيزيَّةً تحضيريَّةً تُعِدُّ الطالبَ لدراسةِ ما في الدَّار من علوم، فكيف يدخلُ الدارَ من لم يحفظِ القرآنَ الكريم؟! أم كيفَ يدرُس النحوَ فيها من لم يَعرِفْ ألفيَّةَ ابنِ مالكٍ؟! هذه المتطلبات وغيرها كانت تُستَوفَى في الثانوية الأزهرية، وكان كثيرٌ من الأزاهرة يدخُلون دارَ العلوم في هذا الوقت، وكثيرٌ من أساتذتي فيها كانوا أزاهرة في ثانوياتهم، وبعض زملائنا كانوا كذلك.

ومن لم يَستوفِ هذا استوفَاه في هذه السنة، فهي بمثابة مِصْفَاةٍ تضمن جودة الْمُتعلِّم القبلية، حتى لا يختلَّ النظامُ في الدار، ولا تُضطر لاختصار مقرراتها لمناسبة الطالب، فالعلم أشرف من أن يُختصر لضُعف الطالب.

لم ينْجُ من نظام الفصل الدراسي هذا سُوَى مادةٍ النحو؛ كأن إِيمانَ الأساتذةِ بضرورة استمرارِها طَوَالَ العامِ حماها، فكنا نمتحن فيها مرة واحدة آخرَ العام؛ لتظلَّ هذه المادة وحدَها شاهدةً على أن النظام القديم كان شيئا آخر، وأنه ما زال ممكنًا مفيدًا.

ضبط ضروري:

لا يُعتَرَضُ على التنظيم الإداريِّ إلا إذا أَخَلَّ بأحد شيئين أو بهما معًا:

الأول: المحتوى العلمي الذي يجب تقديمه في المستوى التعليمي.

والآخر: الطريقة التي أفرزها التراكُبُ التربوي للحضارة في تدريس هذا العلم.

ومِن بَعْدِ ذَيْن لا تثريبَ على الْمُنَظِّم الإداري في ترتيب الجداول والقاعات ومواعيد الدروس وكشَّافات الطلاب وغير ذلك، شريطةَ أن يكون على درايةٍ ومراعاةٍ كاملةٍ لمناهج السادة العلماء في تقسيم الوقت، وتقديم أنواع معينة من العلوم على غيرها كمًّا وكيفًا؛ وهذا الذي قررناه له سببان:

الأول: أن عملية البناء ليست كَبًّا لِلَّبِنَاتِ والْمِلَاطِ[3] والأَحْجَار بأكبر كَمٍّ ومن أيِّ نوعٍ في مكانٍ واحد؛ فهذا ليس بناءً بل هو إفسادٌ يُعطِّل عن البناء؛ ولذلك لا بُدَّ من الاختصار في بعض الأمور، والتطويلِ في غيرها؛ لِحِكْمةٍ بِحِكْمة، بحيث ينتفعُ الطالبُ من المجموع المنظَّم الذي يتلقاه من المنطق والنحو والقرآن والفقه والحديث والتفسير والحساب والشِّعر والهندسة والتاريخ والفلسفة … إلخ، فالْمِلْح إن زاد أفْسَد، والْخُبْزُ إن نَقَصَ ضَرَّ.

والآخر: أن هذه الأمة لها مناهجها في التعليم التي هي غنيةٌ بها عن الانبطاح الثقافي للمناهج التربوية الأجنبية، وهذا الموضوع أشرْنَا لأطرافٍ منه في مقالاتنا عن تدريس النحو بين روح الشيخ ودرجات الامتحان، وقد نفرد له كلامًا في قَابِل الدَّهْر.

 

بَعْد نظام الفصل الدراسي:

تنوعت أساليب الاختزال للتعليم بعد ذلك، فكان منها نظام الساعات المعتمدة، ومطالب ضمان الجودة والاعتماد، ونزوات الامتحان الحاسوبي.

وسأقتصر هنا على الأخير، حيث طلب من أساتذة الأدب واللغة[4] أن يمتحنوا الطلاب في علومهم تلك عن طريق أسئلة الصَّح والخطإِ، والاختيار من متعدِّد وما أشبه ذلك، وألا يُطَالب الطَّالِب أبدًا في الامتحان التحصيلي[5] أن يكتب بنفسه فِقْرَةً أو شعرًا أو كلامًا من جنس الكلام، بل الأمرُ كلُّه علاماتٌ ونقاط يُعَلَّمُ عليها والسلام.

ومن المضحكات المبكيات أن يتوَهَّم هؤلاء أن هذا الامتحان الجليل سيُمَكِّن الأستاذَ قَطعًا من قياس تحصيل الطالب لمهارات الكتابة، وعلامات الترقيم، وتطبيق القواعد النحوية، والمستوى البلاغي الذي وصل إليه من تَعَرُّضِهِ للنصوص الأدبية، والاستعمالِ اللغوي للكلمات في دلالاتها الأصلية والفرعية استعمالا صحيحًا!

وليس الأمر في اللغة والأدب فقط، بل كيف يطمئن الأستاذ إلى استيعاب الطالب لتفسير آية قرآنية كريمة؟ أيكون ذلك بأن يعدِّد له احتمالات التأويل وعلى الطالب الاختيار من بينها؟!

ثم يبكي الناس دمًا من سوء فَهْم الأمة للقرآن الكريم، وسوءِ تطبيق المعاني القرآنية الصحيحة، والتطرُّف والإرهاب وغير ذلك، مع هذه الأعداد الوفيرة التي تتخرج في أقسام التفسير وأصول الدين والشريعة واللغة العربية في كافة أنحاء الوطن العربي الإسلامي.

أخبرنا يومًا أستاذٌ يدرِّس لنا الأدبَ بدار العلوم[7] بأن القانون الجامعيَّ يُعطيه الحقَّ في إلزامنا بحفظ 500 بيت من الشعر في كل فصل دراسي، وللأسف لم يستعمل -هو ولا غيره- هذا الحقَّ كاملًا، بدعوى التخفيف على الطلاب، وأَوْهِنْ بِهَا مِنْ دَعْوَى!

ومن جهة أخرى تحوَّلَ حفظُ القرآن والشعرِ لطلاب دار العلوم غالبًا إلى شيء هامشيٍّ نَفْليٍّ، ليس من ضرورات الدراسة، فأعرضَ عنه الكثير، وبقيَ الذي يدعو إليه هي جائزة تقام من أستاذ مهتم لمن يختم القرآن الكريم، أو جائزة مؤسسة سعود البابطين أو غيرها لحفظ الشعر العربي كالمعلقات مثلا، وما أشبه ذلك، هذا حين كنا طلابًا، أما الآن فلا أجد شيئًا من ذلك في الكلية!

وأتذكر جيدًا أني ما كُلِّفْتُ بحفظِ شيء من القرآن الكريم في الكلية في مرحلة الليسانس سوى أربعين آيةً من سورةِ النور، أما باقي القرآن والقراءات وأكثر الشعر فليس داخلًا في النظام التعليمي الأصلي.

 

غياب القراءات عن المشهد:

وهذا يذكرنا بأن الكلية ابتداءً لا تُدَرِّسُ شيئًا من القراءات، ولا تخصُّ ذلك بمادةٍ مستقلة، وقد يأتي ذكر القراءات في مادة علوم القرآن سريعًا سريعًا، وهذا الخلل موجود كذلك في مقررات المعاهد الأزهرية كلِّها خَلَا معاهدِ القراءاتِ، ولا في صورةِ موضوعٍ للمطالعة!!

والمفزِع أن الكلية تمنح درجاتٍ علميةً في مرحلتي الماجستير والدكتوراه في رسائل تتطلب إتقان القراءات القرآنية من الباحث والمشرفِ والمناقِش، ولقد حضرتُ عددًا من مناقشات هذه الرسائل في قسم الشريعة الإسلامية كان الأستاذ المناقش فيها يعتذر بعدم كونه متخصصًا في القراءات القرآنية؛ فيكتفي بمناقشة منهجيات الرسالة شكليًّا! فيما يُسَمِّيهُ هو مَعَايِيرَ موضوعيةً لتقويم الرسائل العلمية!

 

غياب أصول الفقه عن المشهد:

وكذلك –قبل التطوير الحالي للمقررات- كان أصول الفقه غائبًا تمامًا عن المشهد التعليمي في الكلية، وهو غائب أيضًا عن المعاهد الأزهرية والثانوية العامة بالمناسبة، فلا خريجَ درعميًّا قد درسه دراسةً رسمية، وقد علمتُ أنه صار الآن مادة اختيارية! في بعض المراحل التعليمية في الليسانس، وجدير بالذكر أيضًا أن الكلية تمنح درجات علمية كالماجستير والدكتوراه في أصول الفقه في قسم الشريعة الإسلامية، فهل يمكن لحامل هذه الدرجات أن يتقن هذا العلم مبتدئًا مِن بَعْدِ مرحلة الليسانس؟! ربما!

لماذا نقول هذا الكلام؟

ليس مرادًا أَلْبَتَّةَ أن يَحُطَّ دَرْعَميٌّ مثلِي معتزٌّ بدرعمِيَّتِه كلَّ الاعتزاز مفتخرٌ بها كلَّ الافتخار من شأن دَارِه، وهل يُعقَلُ أن يَسُبَّ المرءُ نفسَه قاصدًا عامدًا؟!

 

وإنما يحتاجُ التقويمُ إلى مناصحة، ثم إن هذا للناس جميعًا؛ حتى إذا شاء أحد أن ينشئ كيانًا تعليميًّا أو يطوِّرَه كان على بصيرة من الأمر، وقد كتب أستاذنا الطاهر أحمد مكي يومًا مدافعا عن بقاء تكوين الدَّرْعَمِيِّ محتويًا على دراسة اللغة العَبْرِيَّة والفارسية والأوروبية، وأنا معه تمام الْمَعِيَّة، بل أنا منه، والآن نكتب ليكون الدَّرعميُّ ومن انشغل بتعليم هذي العلوم على درايةٍ بما هو قائم وما ينبغي أن يكون قائمًا.

 

اعتراف:

ماذا بقي في الكلية إذن؟ بقي فيها الكثير الكثير، فالإنصاف يقتضي عدمَ الطَّيْشِ في الميزان، فدار العلوم هي التي تبصرك بموقع العربية والإسلام من هويتك جملةً وتفصيلًا، وتُقيم في النفس ما تعجِز عنه كلياتٌ عظيمة أخرى، وتتيح اللقاءَ بالعلماء، والاتصالَ بالأكابر، وهو شيء يفتح للطالب بابَ الطَّلَب، وبهؤلاء العلماء وأولئك الأكابر يتخرج المتعلم في العِلْم، ويكون شيئًا بعد أن كان لا شيء، ولله الأولى والآخرة.

 

[1] يراعى أن كل الوارد هنا عن مرحلة الليسانس في الكلية من 2004 إلى 2008.

والكلية تمنح درجة الليسانس في اللغة العربية وآدابها والعلوم الإسلامية.

[2] خلفية مهمة: معرفة هذه البحور ضرورية جدا لكل من اشتغل بالشعر العربي، خاصة إذا كان أكاديميًا محترفًا لا هاويًا.

[3] ما يكون بين الأحجار في البناء.

[4] بعد 2008.

[5]  المقصود هنا هو الامتحان النهائي أو البعدي، دون التكويني أو البنائي؛ لأنهم أباحوا لنا مشكورين أن نسأل في هذا بتمارين وأسئلة مقالية تسمح للطالب بكتابة فقرات ونصوص.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك