الحس الجمالي عند الطفل

29 يوليو , 2016

Children studying a painting in the National Gallery

تداولت الفلسفة منذ البدايات الأولى فلسفة الجمال، ونظر العديد من الفلاسفة لهذه الفلسفة، ولسنا هنا بمعرض استحضار وجهات النظر، وإنما نبتغي التطرق لإمداد الطفل بالقيم الجمالية. فالحياة لحظات نستشعر فيها أحيانًا الجمال، ويتسرب إلينا إحساس جميل، فندرك كنه إنسانيتنا.
ولا غرابة مما أصبحنا نعيشه اليوم من الرداءة والسخافة. فأمسينا نخاف على أطفال اليوم من الغد، فكل ما يتلقاه الطفل عبر مؤسسة الأسرة والمدرسة وكذا الشارع، ووسائل الإعلام…إلخ، هو ما سيكون عليه في المستقبل.

ومع انتشار التفاهة والسخافة، والعنف والفكر المتطرف، والتفكير أحادي البعد، كان لزامًا علينا التدخل، والوقوف عند هذه اللحظة من أجل المستقبل. ونطرح العديد من الأسئلة، كأن نقول مثلًا: كيف يمكن لأطفالنا استيعاب ومحاصرة العديد من الصور والمواقف والمفاهيم التي تغدي علبته السوداء، التي تتحكم في مشاعره حاليًا، وفي سلوكه مستقبلًا؟
من أوجه الإجابة عن هذا السؤال، هو ضرورة تغدية تنمية الوعي / الرؤية / الحس الجمالي عند الطفل.

كيف ذلك؟ كلنا ندرك أهمية استشعار الجمال وتذوقه من مصادر متعددة، نذكر منها الجمال في الطبيعة، السماء والنجوم، والبحار والأمواج، الثلوج والقمم، وغروب وشروق الشمس. وكذا جمال الكائنات كروعة الإنسان والحيوانات وسحر النبات. والجمال في الفنون المختلفة انطلاقا من قطعة موسيقية، مرورًا بالرسم وعالم الألوان. ومشاهدة فيلم أو مسرحية وتذوق قصيدة شعرية أو نص أدبية، وكذلك إدراك جماليات العلوم، جمالية الوجود.
نكاد نجزم أنه كلما ارتقينا بالحس الجمالي عند الطفل، كلما قمنا بحل العديد من المشاكل التي يعيشها الإنسان المعاصر، للفنون قوة خارقة بالسمو بالإنسان إلى مصاف الكمال، والترفع عن كل المساوئ التي تؤدي إلى الندم، والابتعاد عن القبيح.
جوهر الفن هو الجمال، إذ يجمع الشعور والإحساس والعاطفة والعقل في لحظة واحدة، ويمكننا أن نربي أطفالنا على هذه الأحاسيس والمشاعر، والقيم الجمالية، انطلاقًا مما يتلقاه في المدرسة والأسرة ووسائل الإعلام.

في المدرسة من الضروري دعم مواد التفتح، فالدروس الأولى للتفتح الفني، خلال التعرف على الألوان الأساسية والثانوية، ومزج الألوان والحصول على ألوان أخرى، يمكننا نمرر رسالة أن الاختلاف وارد ومن الضروري التعايش مع الآخر، إضافة إلى تنمية الذوق، وهناك ألوان عدة للتعبير عن الذات بطرق عدة، كل ولونه المفضل.
من خلال القصائد الشعرية يمكن أن نغوص بالطفل في عوالم متعددة، فيدرك رحابة الوجود، فينمي لديه ملكة التذوق، ويتعرف على الصور الشعرية وطرق التعبير، باللغة الشاعرية والمجازية، والتغني بالطبيعة، فيعبر بكل حرية وبلا قيود.

ولا يمكننا أن نقلل مما يعكسه المسرح على شخصية الطفل سواء بمشاهدته أو ممارسته على الركض، وقد أظهرت التجارب أنه ينمي الرصيد اللغوي ويقوي التعبير الجسدي، مما يذكي الذكاء الاجتماعي فنحصل على مواطن سوي، يتجاوب مع جميع أحداث عالمه.

الأنشودة لها وقع كبير على شخصية الطفل من الناحية النفسية والاجتماعية، والاندماج مع الأقران، وتقوية الأذن الموسيقية، وتنشط الذاكرة ومن خلالها يتعلم بشكل سلس، فننمي مجموعة من الأحاسيس الجيدة. وعلى الأسرة تعزيز كل هذه القيم الإيجابية الجمالية بالمواظبة مثلًا على مشاهدة المسرح.
الحس الجمالي يؤدي بشكل ملموس إلى الإبداع، وتهذيب النفس، والحماس والفعالية، إضافة إلى الإحساس بالغير، وإدراك ثقافة الاختلاف والتعايش، فعلينا أن نراجع كل ما يشاهده أطفالنا من مواد إعلامية وبرامج تلفزيونية، لما لها قوة التأثير في توجههم، والذي في الغالب بعملية التسطيح يؤدي إلى تكوين إنسان نمطي استهلاكي.

نكون قد نجحنا في تصورنا حين يقبل الطفل على الجماليات، ويترفع على القبيح والرديء، طفل يواظب مستقبلًا على زيارة السينما، والتردد على المتاحف، وزيارة المعارض الفنية، والإقبال على الأمسيات الأدبية والشعرية، ويدلو بدلوه في المجال الفكري.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك