الحلقة الأضعف…

4 مارس , 2015

يُعرف عقد العمل بأنه تلك العلاقة التي تجمع بين العامل و ربِّ العمل والتي بموجبها يؤدي العامل ما عليه من واجبات فكرية أو بدنية، وبالمقابل يتلقى أجره نظير ما يقدمه من خدمات، لكن إذا اختل أحد شروط هذا العقد بما يؤدي بالضرر على أحد الطرفين، فمن حق المتضرر أن يطالب بحقوقه بالطرق القانونية المنصوص عليها، لكن أن يكون هناك تفريق بين الوظائف والمهن وممارسة الإجحاف على فئة دون فئة، فهذا هو الظلم بعينه، أنا أتكلم هنا عن معضلة عويصة وسرطان خبيث ينخر الوطن العربي والجزائر خصوصًا ويهدد مستقبل أجيال بأكملها ولم تجد الأطراف المعنية الحلول الكفيلة بالتصدي له أو إيقافه، ألا وهي مشكلة سنِّ القوانين دون تطبيقها، مما يؤدي إلى الإضراب والذي يعتبر آخر وسيلة بعد أن سدت الآذان وأغلقت الأبواب في وجه كل مواطن كريم يبحث عن لقمة العيش بشرف.
في بلادي يُضرِب الأطباء وموظفو الصحة العمومية والمحامون وموظفو البريد والمهندسون وعمال البلدية وطلاب الجامعة وأعوان الأمن وكل فئات المجتمع، ويعتبر الأمر لا حدث، فهؤلاء مواطنون مغلوبون على أمرهم والجميع يساندهم ويدعو لهم ويقف في صفهم، لكن أن يقوم الأستاذ الذي هو سبب في وصولهم إلى ما وصلوا إليه بالإضراب، فهنا تقوم الدنيا ولا تقعد سبّ وشتم ولعن وتهجم عليهم من كل الأطراف، فلا الشعب يرحمهم ولا السلطات تدرس مطالبهم ولا الإعلام يقوم بدوره في نقل الصورة على حقيقتها، وكمثال على ذلك فعندما يضرب الطبيب ويموت المرضى فالأمر عادي جدًا، أمَّا أن يضرب الأستاذ فهذا قمة التجرد من الإنسانية، وكأن الإضراب حكر على طرف دون الآخر وكأن الأستاذ يجلس طوال اليوم ولا يفعل شيئًا، طبعا ليس كل شخص ولج مجال التعليم مؤهل ليكون في منصبه، ولكن أعرف الكثيرين ممن يعملون بجد وتفان وإخلاص ويبذلون أوقاتهم داخل وخارج المدارس فهم يدركون ثقل الأمانة الملقاة على عاتقهم، والمتمثلة في توصيل الرسالة إلى الأجيال المتعاقبة، علّ هذا الجيل يفيق من سباته وينهض بأمته ويُغيّر ولو قليلًا من هذا التخلف والتبعية التي تعاني منها الأقطار العربية.
هنا كان لزامًا علينا طرح عدة استفسارات:
لماذا جميع القطاعات الأخرى تلبى مطالبها بسرعة في حين يعاني قطاع التعليم الأمرَّين منذ سنوات دون نتيجة تذكر بل الأمور تتجه نحو التعفن كل سنة؟
أين يكمن الخلل بالضبط في المناهج أو في التلاميذ أو في الأستاذ أو في المسيرين أو في المنظومة ككل؟
أيعقل أن يقتل حق الأستاذ والتلميذ في الإبداع باستيراد مناهج غربية فاسدة لم تنجح في دول عديدة تستهدف بالدرجة الأولى الأمة العربية والإسلامية في قيمها ومبادئها وحضارتها؟
ألهذه الدرجة وصل المستوى بالتلاميذ أن يقوموا بتصوير فيديوهات غير لائقة داخل الأقسام ونشرها في صفحات الإنترنت؟ تلاميذ يصورون أنفسهم وهم يحتجزون أستاذة داخل حجرة الدرس ويمنعونها من الخروج، وأستاذ آخر يقفز من نافذة القسم خوفًا على نفسه من الجنون والأمثلة كثيرة…
لماذا وصل المستوى بالتلميذ أن يحتقر معلمه الذي يبذل الغالي والنفيس و لا يهدأ له بال حتى يرى تلميذه يتقلد أعلى الرتب ويتسلق سلم النجاح بثبات؟
لماذا تُعين وزيرة للتربية الوطنية لا تتقن اللغة العربية مطلقًا ثم تضع دليلاً للأساتذة تطالبهم فيه بإتقان اللغة العربية لأنها لغة التدريس والتواصل؟؟؟؟
إذا لم يكن هم البلاد أن تقوم بإصلاحات جذرية وشاملة و وضع أسس صحيحة لبناء جيل واعٍ ومدرك لما ينتظره في المستقبل فما هو همّها يا ترى؟
أين أولياء التلاميذ الذين لا يتذكرون أبناءهم إلا عند استلام كشوف النقاط ولا يزورونهم البتة ثم يلقون باللوم على الأستاذ دون أن يسمعوا منه كلمة واحدة؟
والسؤال الأهم هو: ‘‘إذا كان يطلق عليها وزارة التربية الوطنية فأين التعليم؟ وإذا كان اسمها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فأين التربية؟ هل التربية تسبق التعليم أم العكس أم أنهما يكملان بعضهما؟’’
أسئلة كثيرة تبحث عن إجابات فهل من مجيب؟
وأنا اكتب هذه الأسطر تذكرت ذلك الشخص الذي جلس بجانبي، والذي كان يستمع إلى حوار كنت أجريه مع صديق لي حول التعليم وما يواجه من صعوبات وهنا بادرني بالسؤال قائلاً: لماذا الأساتذة مضربون؟ فقلت له: سأسألك سؤالا فيه جواب لما سألته فقلت: هل لك ابن يدرس؟ فقال: نعم، فقلت له في أي طور هو؟ فقال: الإعدادي على ما أظن(لم يكن متأكدًا)، فقلت: وفي أي مؤسسة هو؟ وهنا كانت الصدمة فقال: لا أعلم فقلت له: إذن عليك أن تبحث عن المكان الذي يدرس فيه ابنك وتزوره وهناك ستجد جواب السؤال الذي طرحته، أحمر خجلاً وطأطأ رأسه وتمتم بكلمات غير مفهومة، أينما تحل وترتحل تجد الجميع يسألك لماذا الإضراب؟ ومتى سينتهي؟ لهذا السؤال إجابة واحدة فقط ‘‘حينما يصبح حلم كل طفل صغير أن يصير معلّمًا حين يكبر حينها فقط نتيقن بأن التعليم في ذلك البلد يسير بأفضل حال.’’
في الأخير وبعد مرور أيام قلائل على الاحتفال بيوم الشهيد الذي كان بطله أناس في عنفوان شبابهم، يحملون في صدروهم حلم شعب بأكمله، ويستلهمون من الدماء المراقة في كل مكان قوة عظيمة وصبرًا يهد الجبال، بأسلحة بسيطة أعلنوا الحرب على أكبر قوة عسكرية في ذلك الزمان، لم يخافوا ولم يتراجعوا، فقط آمنوا بأن هذه الأرض الطيبة المباركة ملك لهم، قتلوهم، شرّدوهم، أحرقوهم، أهانوهم، نفوهم، نكلوا بهم أيما تنكيل، لكنهم أبدًا ما استطاعوا انتزاع إيمانهم بقضيتهم، رجال ونساء اختارهم الله واصطفاهم ليجاهدوا في سبيله، ولِيكسروا شوكة مستعمر ظل لقرن ونصف من الزمن يعيث في الأرض فسادًا، سقوا بدمائهم الزكية هذه التربة الطاهرة وظلت صرخاتهم قائلين”الله أكبر” تقض مضاجع المعتدين وتزرع في نفوسهم الخوف والرعب، ظلوا على العهد سبع سنوات وسبعة أشهر”وما ضعفوا وما استكانوا” دفعوا ثمنًا باهظًا للحرية بملايين الشهداء حتى “جاء الحق وظهر أمر الله”.
كان هذا هو الدرس الأول الذي علمونا إياه لمّا كنا في المرحلة الإبتدائية، حينها لم نكن ندرك حجم الأمانة التي تركها لنا أجدادنا الشرفاء، هل انتصرت الجزائر لوحدها؟ كلا وألف كلا كانت هناك العديد من الدول التي تدعمها وتُضمد جراحها وتدفعها للأمام، حتى أضحت ثورتنا المجيدة مثالًا للنضال والبسالة والكفاح تدرس في كل المعاهد والجامعات، هل اختار هؤلاء الشجعان النضال بأنفسهم أم فرض عليهم؟ هل سنبلغ معشار ما قدموه يومًا؟ هل عانينا ولو بِجزء بسيط مما تجرعوه من العدو الغاشم؟ هل وصلت رسالتهم أم لم تصل بعد؟ هل فهمنا محتواها؟
بعد ستين سنة مما يشبه الاستقلال هل تساءل شخص منا إلى أين تمضي هذه البلاد العظيمة؟ وأي مستقبل ينتظرها؟ بالرغم من كل ما يحدث فيك يا وطني سنعمل لتكون أفضل إن لم يكن لنا فلأجيال ستأتي من بعدنا، إما أن تتذكرنا هذه الأجيال بدعوات طيبات مباركات، أو تلعننا إلى يوم الدين، رحم الله الشهداء، و أنار الله عقول الأحياء…
أختم بقول الشاعر:
بلادي وإن جارت علي عزيزة…وقومي وإن ضنوا علي كرام…



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 9 تعليقات

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ 3 سنوات

الله يرضى عليك، نحن في خدمة التلميذ دائما، وفرحتنا لا تكتمل إلا حين نراكم دائما ناجحين ومتفوقين، أتمنى لك الأفضل دائما، بوركت

دعاء ورده منذ 3 سنوات

اولا اشكرك على هذا الكلام بما اني كنت في يوم من الايام تلميذة اشكر كل الاساتذة على دعمهم لناكتلاميذ ” اشكر كل الاساتذة الجزائرين ””’ اما المشكلة ليست في الاستاذ فهو مجبر على تكوين حياة افضل فانا كتلميذة ادعم الاستاذ اكثر من نفسي رغم اني احتاج لهم لكن الانسان عليه ان يحب لغيره كما يحب لنفسه فا لاستاذ هو الاسرة التي تنير درب التلميذ شكرا استاذ””’عبد الرؤوف%%%%”””عجز اللسان عن التعبير حفظك الله ورعاك وزاد الله لك من علم ان شاء الله

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ 4 سنوات

اهلا بالأستاذين الكريمين بلال وعبد الكريم، لابد من وضع الاصبع على الجرح لكي نجد الحلول الناجعة لمواجهة شتى التحديات التي تفرضها علينا مهنة الأستاذ…ومهما كان هذا الواقع مرا ومؤلما علينا أن نعمل لتغييره ولو بالشكل اليسير…تحية ود واحترام لكما زميلي الكريمين

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ 4 سنوات

معك كل الحق وليد فالأستاذ دوره الجوهري هو تقديم الدعم والنصح والتشجيع لتلاميذه، والكثير من الأساتذة للأسف لا يدركون الأثر السلبي للكلمات الجارحة التي يتلفظون بها في حق تلاميذهم، والتي غالبا ما تكون لها عواقب وخيمة قد تؤدي بالتلميذ إلى التفكير في ترك الدراسة، تحلى بالصبر يا وليد وحاول ان تتحدى كل الظروف فمستقبلك تصنعه بعنادك واصرارك…موفق بإذن الله

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ 4 سنوات

العفو أخي الفاضل…حتى مصطلح الدول النامية قد لا ينطبق عليها لأن الوضع يتأزم يوما بعد يوم…شكرا لمرورك الجميل

soufianeking.. منذ 4 سنوات

هذه هي مجتمعات الدول النامية يقومون بالإضرابات ولا يضمنون الحد الأدنى من المصالح سواء في قطاع التربية أو الصحة أو……. شكرا لأنك من حين لأخر تتطرق إلى مواضيع تهم المصلحة العامة

Walid Chali منذ 4 سنوات

نعم أنا أوافقك الراي يا أستاذي القدير و لكن هناك أمر في التعليم بالجزائر و خاصة الأساتذة ألا و هو :
التلميذ لما يخطئ أو ينسى حل تمرين أو واجب منزلي .. فهل من المعقول أن تقول له كلاما يهزّ بدنه ؟؟؟ ( بعض الأساتذة يقولون للتلاميذهم ” أنت لا فائدة منك ” ) أو ماشابه ذلك .. هنا ماذا سيكون رد فعل التلميذ ؟.. سوى أنه يدرك بأنه لا فائدة منه فقط بسبب كلمة الأستاذ .. أو أن تشجعه أو تنهيه بأن حل التمارين فائدة له وأنها تنفعه في دراسته و هذا هو دور الأستاذ بأن يقوم بتشجيع التلاميذ وليس إسقاط آمالهم و مستقبلهم

بلال منذ 4 سنوات

مقال جميل ويلامس جراح المجتمع

عبد الكريم منذ 4 سنوات

السلام عليكم
واقع مر لا يستصاغ … حياة بطعم الموت …

أضف تعليقك