بين التراكم الدراسي والبناء العلمي!

16 ديسمبر , 2017

ينبغي على كل متعلم التنبه للفارق بين العلم والدراسة، والتفرقة بين أسباب التفوق الدراسي وسبل التمكن العلمي.

الدراسة في المنظومة الدراسية تقوم في الغالب على تراكم كمٍّ معلوماتي لا بناء علمي، وهو حَشد متراكم كثير منه غثاء كغثاء السيل. والتفوق الدراسي لا يعدو في غالب حقيقته استظهار أكبر كم من ذلك الخِضَمّ المعرفي لصبّه في ورقة إثبات معرفته، فنتفوق وننتقل من قالب معد سلفًا إلى الذي يليه، ومع كل نقلة تتساقط التراكمات المعلوماتية، كأوراق الخريف حيث لا عودة ولا مآب. أما العلم في المقابل، فهو الرحيق الرائق والأساس الراسخ لبنيان متين.

 

إن حفظ مقالة كاملة عن تحليل شخصية في نص أدبي – مثلًا – لا يعني بالضرورة أنك متمكن من وسائل الكتابة أو صاحب ذائقة فنية، تمامًا كما أن محلل القصيدة إلى ألفاظ وتعبيرات لا يستلزم أن يكون شاعرًا . بالمثل دارس الطب الذي يمكنه تسميع أعضاء ووظائف جسم الإنسان ليس بالضرورة متمكن علميًا كطبيب أو ماهر كممارس.

 

والاستذكار بهذه الصورة المعلوماتية يقتل البصمة المتفردة والقدرة على الإضافة للعلم، فمن حاز أصول العلم الراسخ صار قادرًا على تقليب الفكر والنظر فيما تعلم ليضيف ويعدّل وينفع، بعكس المتون البشرية والخزانات النصية المتنقلة، الذين مبلغهم من العلم حَسْوٌ كحسو الطائر، ومبلغهم من الفهم كببغاء عقله في أذنيه[1]. وكما أنه ليس كل معلّم عالِم، فما كل دارس  طالب علم.

وكما أنّ التراكم الدراسي وحده لا يصنع عالمًا بالضرورة، فإنّ من يعتني بالبناء العلمي يصير النجاح الدراسي له أمرًا ميسورًا جدًا. فالذي يصرف اجتهاده العلمي لإتقان لغة يتعلمها ويتمكن من مهاراتها، يصير سؤال الإنشاء في الامتحان – مثلًا – عنده مسألة تهيئة فكرة بلغة هي طوع بنانه بالفعل. أما من يصرف جهده لحفظ المواضيع الجاهزة، فيا ويله إذا طلب منه موضوع خارجها ليس معه حصيلة مفردات له!

 

وإذا كان العلم في الأزمان الغابرة مُلْكًا لمن يُغالي الثمن أو يبذل البدن، فهو اليوم لؤلؤ مَكنون وموفور لمن يُحسِن الغرف منه. اليوم أمامك كل هذه الامتيازات من الإنترنت، إلى الوسائط المرئية والمسموعة، إلى وفرة في الكتب الورقية والإلكترونية لم نشهد لها مثيلًا. فالمعرفة لم تكن متاحة من قبل للكل سواسية وبالمجان، كما هي في عصرنا اليوم. ومن ثم لم يعد التعلم اختيارًا ولا التفوق رفاهية لمن أتيحت له كل تلك الامتيازات، بل صار واجبًا وأمانة، لا بد من الوفاء بها وشكر نعمتها، بدل أن تصير تلك الكنوز مُهْدَرة على المُتعة الآنِيَّة وقتل الوقت بلا هدف.

 

لذلك إذا لم يكن من المنظومة الدراسية خلاص، فلا مفر من أن تصنع بنفسك لنفسك خطًا موازيًا، بين ساعات الدراسة وآفاق التعلم الذاتي، في عالم أبواب المعرفة فيه مفتّحة على مصراعيها. تمكّن من أصول العلم تبلغ فروعه تلقائيًا. وليكن لك في مقابل القوالب الدراسية مدرستك الخاصة وعلمك الحقيقي وأساتذتك القدوة، تستقي منهم المبادئ والفكر والأصول التي بها تحيا.

وقتها يُرجَى ألا كبير ضرر عليك من عمليات التفريغ في ورقة الامتحان آخر العام. لكن إذا لم يكن لك من العلم حظ سوى تلك الورقة، تأكد أنك بزوالها زائل لا محالة مهما حملتك شهادات وألقاب تفيد أنك مررت على تلك التراكمات. وكل نواحي القصور في المنظومات الدراسية لا يَحلُّها النقد ولا يخففها التذمر، والتحجج بها صار عذرًا انتهت صلاحيته.

 

وقد قرأت مرة مقولة: “إن لم يكن الكتاب الذي تريد قراءته قد كُتب بعد، فاكتبه أنت!” ، فكانت مما بعث عزمي في التأليف. وكذلك

إن لم تجد فيما يُعْرض عليك من علم ما يكفي لإِرْواء غَليلك، فاصنع عِلمك بنفسك!

 


[1] من بيت لأمير الشعراء أحمد شوقي في مسرحية “كليوباترا” ، في مَعرِض وصفه لمدى تناقل الناس للأخبار دون تثبّت:

اسمع الشعب كيف يوحون إليه ** أثّرَ البُهتان فيه وانطلى الزُّور عليه

يا له من ببــــــــــــــــــغاء ** عـــقــلــه فــــى أذنيــــــــه!

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك