بَيْنَ التَّعْلِيمِ وَاللَّعِبِ قِرَاءَةٌ إِسْلَامِيَّةٌ

7 يوليو , 2018

التعليم باللعب مما كثر دورانه بين المشتغلين بعلم التربية وطرائقها الحديثة هذه الأيام، ومن الغريب أن المسلم المتخصص في علم التربية يظل يتلقف ما يلقى إليه مما يتناثر عن الرَّحَى العلمية الأجنبية من غير أن يتبين موقف الإسلام من كل ذلك القمح الذي نبت في أرض بعيدة، في ثقافة أجنبية عنه، في غفلة منه ومن قومه عنها..

وليس علينا أن نطَّرح كل شيء مرةً واحدة لأنه أجنبي الأصول والفروع، ولكن هلمُّوا إلى شيء من الفحص والتفتيش عن فكرة اللعب في التراث الإسلامي الذي ننتمي إليه، بما يحمله من نصوص شريفة، وما يضمه من تعليلات وتدقيقات عقلية باهرة، لنتعرف إلى كيفية تعامل الأئمة مع هذه النصوص ومع واقعهم المتغير مع الزمان، لعلنا نصيب على أضوائهم نوعًا من الهدى يليق بقومنا الآن، حتى إذا أخذنا شيئا من غيرنا أخذناه بعلم لا بجهل.

أنواع اللعب في الإسلام:

يمكن أن نقسم اللعب في الرؤية الإسلامية من حيث غايتُه إلى ضَرْبَين:

 

الضَّرْبُ الأول:

لَعِب من أجل الترويح عن النفس، ومثله التسلية والمتعة وغير ذلك من الألفاظ الطارئة على ثقافتنا التي استجلبت لتُقابِل ألفاظًا أعجميةً ومفاهيمَ رأسمالية نشأتْ في أحضان الثقافات الكافرة.

 

الضَّرْبُ الآخَر:

لَعِب من أجل التَقَوِّي بِنِيَّةِ الاستعداد للجهاد، ومثله في الكلام المعاصر التدريب والتمرين وتلكم الكلمات التي استجلبت للغرض السابق أيضًا.

 

أما الغاية الأولى فهازلةٌ لاهيةٌ لمناسبةِ طبيعة الملل البشري ودَفْعِه؛ فالأنسب لها حكم الإباحة الشرعية دون أحكام الاستحباب والكراهة والوجوب والحرمة، وهذا ما لم تختلط بمعانٍ أخرى تُخرِجها عن أصلها هذا.

أما الغاية الأخرى فجادة ركينة في الإسلام؛ فيناسبها حكم الاستحباب على الأفراد مع حكم الوجوب الكِفَائِيِّ على الأمة؛ ما لم تختلط بغيرها من المعاني. وربما اجتمعَتِ الغايتان في ممارسةٍ واحدة، مع غلبة إحداهما فيختلف الحكم؛ لينتقل للأعلى وهو الاستحباب الذي يؤجر عليه المسلم.

وإذا وعينا هذا النظر الشامل استطعنا الولوج إلى باحة النصوص الشرعية مع الإدراك الكلي اللازم.

 

أما النصوص فمما ورد في الغاية الأولى:

أن “النَّبِيَّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – كَانَ فِي سَفَرٍ مَعَ عَائِشَةَ فَسَابَقَتْهُ عَلَى رِجْلِهَا، فَسَبَقَتْهُ، قَالَتْ: فَلَمَّا حَمَلْت اللَّحْمَ، سَابَقْته، فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ” رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

لَعِبَ الْحَبَشَةُ بِالْحِرَابِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – وَقَامَتْ عَائِشَةُ خَلْفَهُ تَنْظُرُ إلَيْهِمْ، وَتَسْتَتِرُ بِهِ، حَتَّى مَلَّتْ.

وكذلك الأُنْسُ بالحَمَام من غير أذى يتعدى لغيره: “أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – فَشَكَا إلَيْهِ الْوَحْشَةَ، فَقَالَ: اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَام”.

ومن النصوص الواردة في الغاية الثانية:

قَالَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ”.

وكذلك: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَحْضُرُ مِنْ لَهْوِكُمْ إلَّا الرِّهَانَ وَالنِّضَالَ” قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: النِّضَالُ فِي الرَّمْيِ، وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ، وَالسِّبَاقُ فِيهِمَا.

ومما جاء في الغايتين على نحو عام:

رَوَى سَعِيدٌ فِي “سُنَنِهِ” عَنْ خَالِدِ بْن زَيْدٍ، قَالَ: كُنْت رَجُلًا رَامِيًا وَكَانَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ يَمُرُّ بِي فَيَقُولُ: يَا خَالِدُ، اُخْرُجْ بِنَا نَرْمِي. فَلَمَّا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ، أَبْطَأْتُ عَنْهُ، فَقَالَ: هَلُمَّ أُحَدِّثْكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ بِالسَّهْمِ الْوَاحِدِ ثَلَاثَةً الْجَنَّةَ صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صُنْعِهِ الْخَيْرَ، وَالرَّامِيَ بِهِ، وَمُنَبِّلَهُ، ارْمُوا وَارْكَبُوا، وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا، وَلَيْسَ مِنْ اللَّهْوِ إلَّا ثَلَاثٌ؛ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ فَرَسَهُ، وَمُلَاعَبَتُهُ أَهْلَهُ، وَرَمْيُهُ بِقَوْسِهِ وَنَبْلِهِ، وَمَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ بَعْدَ مَا عَلِمَهُ، رَغْبَةً عَنْهُ، فَإِنَّهَا نِعْمَةٌ تَرَكَهَا”.

سَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

صَارَعَ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – رُكَانَةَ، فَصَرَعَهُ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَمَرَّ النَّبِيُّ – صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – بِقَوْمٍ يُرَبِّعُونَ حَجَرًا – يَعْنِي يَرْفَعُونَهُ لِيَعْرِفُوا الْأَشَدَّ مِنْهُمْ – فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ.

الحكم الفقهي العام والمحاذير الشائع تَلَبُّسْها باللعب:

قال الموفَّق بن قُدامة في المغني في حُكْم الشَّهَادَة لِلْمُتَسَابِقِ فِي الْمُسَابَقَةُ الْمَشْرُوعَةُ بِالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا:
” وَلِأَنَّ فِي هَذَا تَعَلُّمًا لِلْحَرْبِ، فَإِنَّهُ مِنْ آلَاتِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ وَالْمُنَاضَلَةَ، وَسَائِرَ اللَّعِبِ، إذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا، وَلَا شَغْلًا عَنْ فَرْضٍ، فَالْأَصْلُ إبَاحَتُهُ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِيهِ دَنَاءَةٌ يَتَرَفَّعُ عَنْهُ ذَوُو الْمُرُوءَاتِ، مَنَعَ الشَّهَادَةَ إذَا فَعَلَهُ ظَاهِرًا، وَتَكَرَّرَ مِنْهُ، وَمَا كَانَ مِنْهُ لَا دَنَاءَةَ فِيهِ، لَمْ تُرَدَّ بِهَا الشَّهَادَةُ بِحَالٍ.”

 

وكأن هذا الفقيه العالم المتوفي 620 للهجرة يعلمنا طريقة لقبول فكرة اللعب وردها، في التعليم وفي غيره، وفي الحاسوب وفي غيره، ونحن في القرن الخامس عشر الهجري أحوج ما نكون إلى هذا النص الساطع، لنفهم الموقف المتزن الذي وقفه الإسلام من اللعب، بدلًا من الانجراف مع كل ما هو حديث جديد، طلبًا للذة الجديد، ولكل جديد -كما قالتِ العرب- لذة.

 

ولنرى بعض الجوانب الفقهية الأخرى التي تكمل المنظور؛ لتوجه من يشتغل بتصميم الألعاب التربوية إلى الضوابط المهمة في تصميمه لطرائقه التعليمية لتكون نافعة لا ضارة لشخصية الفتى المتعلم.

لمسات فقهية أخرى يجدر الإلمام بها:

وعقد الموفق أيضًا فصْلا في مُغْنِيه عن بعض ما يخرج باللعب إلى الحرمة، قال: “فصل: فِي اللَّعِبِ: كُلُّ لَعِبٍ فِيهِ قِمَارٌ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، أَيَّ لَعِبٍ كَانَ، وَهُوَ مِنْ الْمَيْسِرِ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِاجْتِنَابِهِ، وَمَنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ رُدَّتْ شَهَادَتُهُ. وَمَا خَلَا مِنْ الْقِمَارِ، وَهُوَ اللَّعِبُ الَّذِي لَا عِوَضَ فِيهِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا، فَمِنْهُ مَا هُوَ مُحَرَّمٌ، وَمِنْهُ مَا هُوَ مُبَاحٌ؛ فَأَمَّا الْمُحَرَّمُ فَاللَّعِبُ بِالنَّرْدِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَكْرُوهٌ، غَيْرُ مُحَرَّمٍ.”

وجاء في استدلال الشافعية على إباحة الشطرنج:

“وَيُفَارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ فِي الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الْحَرْبِ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالْحِرَابِ، وَالرَّمْيَ بِالنُّشَّابِ، وَالْمُسَابَقَةَ بِالْخَيْلِ. وَالثَّانِي، أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِي النَّرْدِ مَا يُخْرِجُهُ الْكَعْبَتَانِ، فَأَشْبَهَ الْأَزْلَامَ، وَالْمُعَوَّلَ فِي الشِّطْرَنْجِ عَلَى حِذْقِهِ وَتَدْبِيرِهِ، فَأَشْبَهَ الْمُسَابَقَةَ بِالسِّهَامِ.

وبقطع النظر عن الراجح في المسألة الفقهية، فهذا أمر لا يهمنا تحريره هنا الآن، ولكن يهمنا هنا فهم العلل التي حكمَتْ تفكير الفقهاء المستوفين لنصوص السنة والكتاب في هذا الباب، فقد جاء في كلام ابن قدامة في الرد على الشافعية:

“وَلِأَنَّهُ لَعِبٌ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ الصَّلَاةِ، فَأَشْبَهَ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ.

فظهر من ذلك كيف يكون الأمر، والرد الشافعيُّ لم يُنكِر أن هذه العلل تؤدي إلى الحرمة، لكنهم نازعوا في كون الشطرنج يؤدي إلى هذه المآلات، وبهذا نفهم أين يقع الخلاف.

وهذا أهم عندي آلاف المرات من فهم إلامَ انتهى الخلاف، فالخلاف الفقهي لا ينتهي غالبًا، لكن فهم سبب الخلاف هو الفقه الحق، حتى حصر بعض علماء المسلمين كإمام الحرمين الفقه في المسائل التي طريقها الاجتهاد، فتأمل.

ثم جاء في تعقيب الموفق ورأي أبي بكرٍ عبدِ العزيز الحنبلي:

“وَإِذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: هُوَ كَالنَّرْدِ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ مِثْلُهُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ، فَهُوَ كَالنَّرْدِ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ فَعَلَهُ مَنْ يَعْتَقِدُ إبَاحَتَهُ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ، إلَّا أَنْ يَشْغَلَهُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا، أَوْ يُخْرِجَهُ إلَى الْحَلِفِ الْكَاذِبِ، وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ، أَوْ يَلْعَبَ بِهَا عَلَى الطَّرِيقِ، أَوْ يَفْعَلَ فِي لَعِبِهِ مَا يُسْتَخَفُّ بِهِ مِنْ أَجْلِهِ، وَنَحْوَ هَذَا، مِمَّا يُخْرِجُهُ عَنْ الْمُرُوءَةِ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ”.

 

تأمل تربوي معاصر:

فهل اللعب الذي نعلم به أبناءنا لعب يحترم مروءة المسلم والمسلمة؟ يحافظ على وقار الفتى والفتاة؟ وهل يضع التربوي الجليل الذي يتخذ هذا الأسلوب التعليمي الناجع هل يضع هذه الضوابط نصب عينيه حين يصمم لعبة تعليمية؟ أم يفكر في المدهش والمثير؟ أم يطلب الغريب والطريف؟ أم يعمد إلى المميز ليثبت في العقل؟

بقطع النظر عن شخصية الفتى التي بناها وعودها ما ينبغي أن يخجل منه؟! ومثل هذا ينسحب على تمثيل الفتى لشخصية أنثى في مسرحية تعليمية عظيمة، وغير ذلك. ولا يقال هو صغير، فإن له نفسًا تلتقط المعاني، وتختزنها، حتى إذا صار كبيرًا أتى ما كان عوده أستاذه من الأفعال والأقوال، ولعله باب مفتوح لنعلم كيف تتغير القيم في مجتمعاتنا من الحشمة والتحفظ والتماسك للانحلال والتبسط والرقاعة في مجتمعاتنا جيلًا بعد جيل، وخير من يرصد ذلك المعلمون ذوو الخبرة الطويلة في تدريس المرحلة الإعدادية والثانوية.

ولنعد للإمام موفق الدين حين يقول:
“فَصْلٌ: وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ الْفُرُوعِ مُخْتَلفًا فِيهِ مُعْتَقِدًا إبَاحَتَهُ، لَمْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُ”[8]

 

وعلى هذا يمكننا أن ندرك العلل الرئيسة التي دار عليها معنى اللعب في الإسلام بين الإباحة والندب وهما الأصل، أي الحكم لذاته، والعلل الرئيسة التي دار عليها معنى اللعب في الإسلام بين الحرمة والكراهة وغير ذلك، وهو بخلاف الأصل، لأنه حكم لغيره لا لذاته، أي حكم للعب بعدما تلبس بغيره من معاني الصد عن سبيل الله وتضييع الوقت، والمحرمات كالقمار وغير ذلك.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك