تجربة جديدة (2): نوايا وتوقّعات

1 أكتوبر , 2016

بدأت هذه السّلسلة بالحديث عن تجربتي الجديدة في التّعليم الموجّه ذاتيًّا، الّتي ستستمرّ لمدّة 9 أيام للتعرف على فكرة وهدف هذا النظام التعليمي وكيف يمكن تطبيقه مع الأطفال أو المراهقين أو مُتعلمين عمومًا.

لم أستطع أن أحدّد ماذا عليّ أن أكتب في البداية، وكيف يمكنني تخطيط كل تدوينة، هل أكتبها في صورة مذكّرات وسرد للأحداث اليوميّة؟ أم أكتفي بمعلومات عامّة سريعة تشرح النّظام الّذي نعمل به في التّدريب؟ توقّفت لأراقب الصّورة العامّة، وتفاصيل كل ما يحدث حولي، لأنقل تجربتي في التّعايش مع نظام تعليمي مختلف وكيف يؤثّر عليّ وعلى من يشاركني التّدريب، وانعكاسه في نظري على شكل المجتمع بعد ذلك عند تطبيقه، وقرّرت تقسيم السّلسلة لثلاث مقالات، كل مقال يتحدّث حول 3 أيّام من التّدريب، حتّى لا أستطرد في تفاصيل قد تصيب القارئ بالملل، وأيضًا لأتمكّن من شرح تأثير التّدريب بشكل أوضح على مدار عدّة أيّام.



اليوم الأوّل: (نوايا وتوقّعات)


كعادتي دخلت إلى القاعة الخاصّة بالتّدريب، وكما توقّعت لم يكن هناك العديد من المقاعد للجلوس عليها، سنجلس على الأرض بدون أحذية في الغالب، وهو الأفضل بالنّسبة إليّ لأشعر براحة أكثر، نظرًا لطول مدّة التّدريب يوميًّا.
بدأ “إريك” و “ناريمان” -ميسرين التدريب- الحديث بالتّرحيب بنا، وبأمانيهم عند انتهاء هذا التّدريب، مع توضيح تفاصيل بسيطة لما سيتمّ خلال أيّام التّدريب، وبعدها جاء وقت الألعاب لكسر الحواجز بين المتدرّبين.
في الحقيقة لا تستهويني فكرة الأنشطة التّعريفيّة أو الألعاب الّتي تحدث في بداية أيّ تدريب أو حدث يستمرّ لفترة طويلة لمساعدة الحضور على التّعرّف على بعضهم البعض بشكل أسرع وألطف، لست انطوائيّة بطبعي وأحبّ التّعرّف على النّاس، كما أنّني كثيرة الكلام، ولكن يحدث هذا الأمر فقط عندما أشعر بالارتياح من داخلي، بالإضافة لرغبتي في مشاركة المعلومات مع شخص أمامي، في حال غير ذلك أستطيع أن أبقى صامتة دون حركة لساعات ـ إن أردت ـ كتمثال مصريّ قديم.
كان هناك العديد والعديد من الأنشطة والألعاب، والّتي يبدو أنّ الجميع كان مستمتعًا بها ما عداي، خاصّة هذا النّشاط الخاصّ بالمشي بعشوائيّة في الغرفة، مع الاستماع في هدوء لما تقوله “ناريمان “حول شخصيّاتنا وأحلامنا وطموحاتنا كبشر حاضرين في هذه الغرفة.
هل هذا ما كانت تتحدّث عنه بالفعل؟ لا أستطيع أن أجزم بشكل كامل، في الواقع فقدت تركيزي عند البدء في المشي بشكل عشوائيّ، وكل ما كنت أفكّر به في هذا الوقت هو رغبتي في المشي في مسار يشبه علامة “اللّانهائيّة” لأنّ هذا ما يريحني حقًّا، وبالتّأكيد لم يكن متاحًا بأيّ شكل من الأشكال، فكلّما حاولت قاطعني أحدهم في مساري.
كانت هناك لحظة حين بدأ الجميع بالتّحرّك بشكل سريع ـ فجأة ـ ثمّ بدأوا في خفض سرعتهم شيئًا فشيئًا، وغالبًا يحدث هذا بتأثير الحديث الّذي يستمعون إليه، وأنا ما زلت أسير بنفس سرعتي وأفكّر في علامة “اللّانهائيّة” الّتي لا تفارق ذهني.

بعدها كان هناك أحد الأنشطة والّذي أحببته حقًّا، واستمتعت بكلّ لحظة فيه.
وهو “التّواصل البصريّ” حيث تقف في مواجهة أوّل شخص يقابلك وتنظر في عينيه بثبات لفترة طويلة، وتكرّر هذا النّشاط مرّتين، على الرغم من عدم قدرتي على النّظر بشكل ثابت في أعين شركائي، إلّا أنّني لم أشعر بالحرج أو الضّيق للحظة لكي أشيح بنظري عنهم، فقط كنت أقوم بذلك بسبب تعبي من النّظر في اتّجاه واحد طوال الوقت.
لا زلت لا أفهم المغزى من طبيعة كل نشاط قمنا به تحديدًا، ولكنّي واثقة بأنّه ساعد الجميع بشكل ما أو بآخر على تقبّل الأفكار الّتي سنتلقّاها في التّدريب.

طوال اليوم تناولنا العديد من المواضيع الخاصّة بمراكز التعليم المرن  أو “Agile Learning Centers” -التي شارك “إريك” في تأسيسها- وفلسفتها في التّعلّم الذّاتيّ، وربّما أبرز ما يمكن تلخيصه في هذا اليوم هو “جذور شجرة آجيل” الأربعة الّتي تنبت منها باقي الفروع وهي:
التّعلّم: وهو الأمر الطّبيعيّ الّذي يحدث طوال الوقت لكلّ الأفراد.
التّوجيه الذّاتيّ: يتعلّم الأفراد بشكل مثاليّ عند اتّخاذهم قراراتهم الخاصّة، والأطفال ضمن هؤلاء الأشخاص!
التّجربة: يتعلّم الأفراد من خلال بيئتهم وثقافتهم المحيطة أكثر من المحتوى أو المنهج المقدّم إليهم، والوسط المحيط هو ما يحمل إليهم رسائل التّعلّم.
النّجاح: تتحقّق الإنجازات عند اكتمال دائرة (النّوايا – الخلق – التحليل – المشاركة).
بالإضافة لتعرّفنا على بعض أدوات التّيسير التّعليميّة مثل لوحة الأعمال (KanBan)، حيث نقوم بتقسيم الأعمال عليها إلى نوايا يمكن أو يتوقّع حدوثها اليوم، وأعمال يتمّ تنفيذها، وأعمال تمّ تنفيذها، وهناك أيضًا لوحة التّواصل البصريّ (Game Shifting Board)، الّتي تساعد على تنظيم طريقة سير الاجتماع، فنتّفق على الشّخص المسؤول عن تيسيره والمساعد وطريقة التّدخّل في الحوار برفع الأيدي أم بالترتيب، وهيئة الجسم الخاصّة بالمتعلّمين، واقفين أم جالسين؟ ِإلى آخر هذه الأمور، وأخيرًا هناك  لوحة تنسيق العمل الجماعي (Community Mastery Board – CMB)، وهي أشبه بالنّسبة إليّ بالدّستور حيث نقوم بكتابة قوانينا الخاصّة، ففي كل يوم نسجّل ملاحظاتنا اليوميّة أو شكاوينا، ثمّ نقترح حلولًا لها، وبعد ذلك نتّفق على الحلّ الأمثل، ونختبر في اليوم التّالي هذا الحلّ بممارستنا له، وبعد الانتهاء منه نضعه في خانة “اتقان” أي أنّه صالح للعمل به، بوجه عام الخانات الأربع التي نستخدمها لتسهيل هذه العملية هي (الاتفاق – التنفيذ – الممارسة – الاتقان).
في نهاية اليوم الأوّل، طُلِب منّا أن نكوّن مجموعات عمل، ونتحدّث عن نوايانا وتوقّعاتنا لليوم ونشاركها مع الزّملاء، ونكتب نوايانا النّهائية للتّدريب في لوحة KanBan خاصّة بكلّ مجموعة، أبرز ما يمكنني تذكّره من مجموعتي هو حديث “شيماء” عن رغبتها في تعلّم طريقة لمساعدة ابنها البالغ من العمر  14 سنة، على تلقّي تجربة تعليميّة أفضل في المنزل، وتحدثت أيضًا عن قلقها في حال عدم رغبته في دخول الجامعة مستقبلًا، ما هو الحلّ؟ وكيف سيستطيع الحصول على عمل؟
هناك أيضًا “أحمد” الّذي لم يكن واثقًا بشكل كبير من نيته في إكمال التّدريب، وربّما سيتحدّد ذلك في الأيّام المقبلة عند وضوح الرّؤية عنده بشكل أفضل، أمّا أنا فكنت سعيدة لأنّني تخيّلت بأنّ اليوم الأوّل سيصبح مجرّد مقدّمة بسيطة لا يوجد بها الكثير من التّعلّم، ولكن ما زال لديّ تساؤل عمّا سيحدث في الأيّام القادمة، واليوم الثّاني ـ تحديدًا ـ ماذا سنتعلّم من “إريك”؟ هل هذا كلّ ما عنده في تدريب الميسّرين؟ 3 لوحات فقط؟ عمومًا سنرى...

اليوم الثاني: (مفاجأة!)


ذهبت وأنا أتخيّل دراسة العديد من الأساليب المعقّدة الأخرى لنظام التّعلّم الذّاتيّ، الّتي سنقوم بتطبيقها بعد ذلك، وتحدّث “إريك” و”ناريمان” عن قيام كل منهم بعمل جلسة خاصّة للتّحدّث بخصوص تطبيق هذا النّظام، فاختار “إريك” أن يتحدّث حول تطبيقه في المدارس، و”ناريمان” ستتحدّث فيما يتعلّق بتطبيقه في المشاريع التّعليميّة الخاصّة، تخيّلت أنّ هذا هو ما سنقوم به طوال اليوم، ووجدت بعضًا من زملائي يقومون بكتابة جلسات خاصّة بهم في مواعيد وأماكن محدّدة في هذا اليوم، لم أستطع فهم كيف تسير الأمور في هذه اللّحظة، ولكن قرّرت أن أتركها تسير ـ كما هي ـ وأستكشف الوضع...
بعد الانتهاء من جلسة “ناريمان” الّتي استمرّت لفترة أقلّ من ساعة، لم أعرف ماذا عليّ أن أفعل، فذهبت لأحضر جزءً من الجلسات الّتي قام زملائي بكتابتها على اللّوحة، لأكتشف المفاجأة  وهي أنّنا نقوم فعليًّا الآن بتطبيق كل ما تعلّمناه بالأمس ولا يوجد جديد لتعلّمه!ـ معذرةـ لا بل هناك الكثير لتعلّمه، ولكن ليس من شخصين فقط، بل من جميع الحضور في التّدريب، أقول دائمًا أنّ التّعليم ممارسة وليس تلقينًا، ولكنّي للأسف كنت أنتظر المزيد من التّلقين بسبب بصمات نظام التّعليم التّقليديّ في حياتنا، والّتي أحاول محوها الآن، بعدها اتّضحت لي الصّورة الكبيرة في هذه اللّحظة، الأمر ببساطة يجري كالتّالي:

هناك مجتمع للمتعلّمين (أيّ متعلّمين: كبار، صغار، لايهمّ…)، كلّ منهم يقوم بكتابة نواياه في عدّة أنشطة، يرغب في عملها كلّ يوم، وأنشطة يرغب في تقديمها لزملائه، ويشاركها معهم على لوحة كبيرة (KanBan)، ويحدّد المكان والزّمان لإقامة هذا الّنشاط المقدّم من طرفه ليشاركهم معلوماته، وبالتّالي الرّاغبين في التّسجيل معه ينضمّون إليه في الوقت والمكان المحدّدين سلفًا على اللّوحة، وفي نهاية اليوم يقوم كلّ شخص بمراجعة نواياه وما قام بتعلّمه، وما سيتمّ تأجيله أو محوه من قائمة الّنوايا هذه، وبعدها تتمّ مراجعة للمشكلات، أو عمل توعية في اجتماع للمتعلّمين من خلال لوحة تنسيق العمل الجماعي (CMB) أثناء قيام أحد الأشخاص بتيسير وإدارة هذه الاجتماع، ويحدّد قواعد اللّعبة أو الاجتماع عن طريق لوحة مهارات التّواصل البصريّ (Game Shifting Board).
واتّضح لي كذلك أنّ الثّلاث لوحات هذه يمكنها أن تغيّر الكثير والكثير في شخصيّة كلّ فرد منّا دون أن ندري أو ندرك ذلك سوى لاحقًا، كما حدث على مدار 7 أيّام لاحقة، وتحقّق بشكل بارز في نهاية اليوم الثّاني عندما جلسنا لنخطّط طريقة سير المعسكر الصّيفي للأطفال القادمين لتطبيق هذا النّموذج التّعليميّ معهم في عدّة أنشطة، لا نعلم ما هي، ولا نعلم من سيقوم بماذا، ولا ندري حقًّا كيف سيسير هذا المعسكر.
بداية اجتمع فريق منّا للتّخطيط للموارد والمتطلّبات لوجود أطفال وإقامة أنشطة، وقسّمنا أنفسنا في مجموعات كل مجموعة لها اختصاص وعدّة مهام تقوم بها، وفي أقلّ من نصف ساعة تقريبًا كان الجميع يعرف دوره في نهاية هذا اليوم، لينفّذ المطلوب منه وفي اليوم الّذي يليه سنكمل باقي التّرتيبات ونعيد توزيع المهامّ.
تعجّبت من قدرتنا على تنظيم أنفسنا “ذاتيًّا” وبشكل سريع وتلقائيّ، ولكن في نهاية اليوم لم تكن لديّ طاقة للمزيد من التّعجب أو التّفكير، جلسنا في اجتماعنا الختاميّ، وعرض كلّ منّا وجهة نظره بشأن اليوم، تحدّث “أحمد” عن رغبته في الاستمرار في التّدريب وبدا عليه الاستمتاع بما يحدث، أمّا الانتصار الكبير الّذي أسعدني بشدّة هو قرار “شيماء” بالسّماح لابنها بالدّراسة كما يشاء، سواء رغب في دخول الجامعة أم لا، لم تعد قلقة بخصوص هذا الشّأن بعد الآن، وخاصّة بعد حضورها جلسة نقاش مع “أميرة” إحدى المنظّمات للتّدريب، والّتي حدّثتهم حول كيفية الحصول على عمل دون الاضطرار لدخول الجامعة.

وتحدّثت بخصوص رغبتي في نقل أسلوب التّعليم هذا لطلّابي السّابقين لمساعدتهم على تكوين مجتمع للتّعلم ـ خاصّ بهم ـ يدعمهم في اكتشاف ميولاتهم واهتماماتهم وتحقيق إنجازات بها، وبالفعل لم أستطع مقاومة حبس الفكرة في رأسي لفترة طويلة، وفي طريق عودتي قمت بالاتّصال بأحد الطّلّاب وحدّثته عن التّدريب وما تلقّيته فيه حتّى الآن، وسألته عن رأيه في أن أقوم بجمعه مع زملائه لأحدّثهم بشكل مفصّل عن الفكرة وكيفية تنفيذها سويًّا، فأجابني بحماسه للموضوع ورغبته في مساعدتي للتّنسيق له.
ا
كتفيت بهذه المكالمة السّعيدة وعدت للمنزل ـ وأنا في غاية التّعب ـ وأفكر طوال الوقت في الـ “FOMO” الخاصّ بي، وهل يمكنني محاربته غدًا أم لا؟



اليوم الثّالث: (FOMO)

 

في اليوم الثّاني عندما قمنا بتحديد عدّة أنشطة بعضها كان يحدث في نفس الوقت، كان لدى أغلبنا شعور بالقلق من أن نفوّت هذه الأنشطة، لرغبتنا في الحصول على كل المعلومات المتاحة في نفس الوقت، وتحدّث “إريك” بشكل حازم عن وجوب محاربتنا للخوف من تفويت أيّ معلومة – Fear Of Missing Out- أو ما أطلق عليه “FOMO”، ففي النّهاية لن يستطيع أيّ شخص عمل كلّ شيء في نفس الوقت، لابدّ من فقدان بعض الأمور، أو أغلبهاـ إن صحّ القول ـ ويجب علينا الاعتماد على زملائنا الّذين سيشاركوننا معلوماتهم في حال قمنا بسؤالهم أيضًا، لذلك عند استيقاظي في اليوم الثّالث وأنا لا أقوى على النّهوض، وشعرت بالتّعب الشّديد قررت محاربة مخاوفي وعدم الذّهاب، والاكتفاء بالرّاحة استعدادًا لليوم التّالي وهو أوّل يوم في معسكر الأطفال التّطبيقيّ، وقرّرت الاعتماد على زملائي والثّقة بهم في فهم التّفاصيل، والاطلاع على المعلومات الّتي فاتتني في هذا اليوم.

 

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك