تجربة جديدة (4): وماذا بعد؟

17 أكتوبر , 2016

هاقد قاربت التّجربة على الانتهاء، وأخيرًا استطعت التّأقلم على التّعامل مع الأطفال إلى درجة لا بأس بها في نظري، حتّى نهاية اليوم الرّابع من المعسكر الصّيفيّ للأطفال والسّابع لنا كمتدرّبين، لأكتشف وقتها فشلي الذّريع في التّعامل معهم وضرورة التّدخل ووجود أحد بجانبي طوال الوقت لمساعدتي على عدم فعل أيّ تصرّف خاطئ.



اليوم السّابع: (الوداع يا صغار)

تطوّعت في بداية اليوم لإدارة الاجتماع الصّباحيّ وكان عندي حماس شديد لأقوم بعمل تمارين رياضيّة مع الأطفال واختبار قدرتي على تيسير اجتماع لعدد كبير من الأطفال في سنّ صغير.

أستطيع القول أنّ الاجتماع مرّ على خير، وتمكّنت من السّيطرة عليه بشكل كامل، باستثناء لحظات تدخّل “أنس وآدم” التّوءم الصّغير ذو الأربعة أعوام، ولكنّهما يمتلكان لسان رجل في السّبعين من عمره، أسئلتهما مستمرّة لا تتوقّف، ويحلّلان إجابة كلّ سؤال في الحال، ولا يقتنعان بها فيطلقان بعده سؤالًا ثانيًا مباشرة.
هما رائعان بالطّبع، ولكن لا يمكنني للأسف إطالة وقت الاجتماع، ولا يمكنني تخصيص أغلب وقته لصالح أسئلتهما هما فقط.

على العموم انتهينا من التّخطيط لليوم بسلام، وقرّرت الانخراط بشكل أكبر في أغلب الأنشطة مع الأطفال، في البداية شاركت في ساعة “الزّومبا” لنمارس الرّياضة على أنغام راقصة مع الفتيات الصّغيرات، بعدها ظللت متنقّلة بين الغرف المختلفة لأتابع الأطفال وما يفعلونه، حتّى ُطلِب من أحدنا سرعة الذّهاب لغرفة الحاسب الآلي لوجود شجار بين الأطفال، فوجدت طفلين على خلاف وهما “خالد” و”عُمر” وكلّ منهما قام بضرب الثّاني، وبعدها جلسا ليكملا لعبهما في هدوء، طلبت منهما مغادرة الغرفة وعدم اللّعب طوال اليوم فيها لأنّ ما فعلاه كان خاطئًا، وسألتهما بهدوء هل يمكن أن أصفعكما أنا أو والداتكما لأنكما لم تفعلا شيئًا طلبناه منكما؟ فأجابا بالنّفي، ولكن “خالد” أضاف: “بس هي مش بتسكت برضة، بتزعق!” شعرت وقتها بالحرج، لم أعرف ماذا عليّ أن أجيبه، هل والدتك على خطأ بسبب عدم حديثها معك ومناقشتها الخطأ الذي حدث بهدوء؟ أم ماذا؟ غيّرت مجرى الحديث لأنّه لابدّ لنا من النّقاش بدلًا من الضّرب واستخدام العنف، وافقني “عُمر” وقرّر الذّهاب لممارسة أيّ نشاط آخر، بينما رفض “خالد” رفضًا شديدًا وظلّ يجري بعيدًا عنّي ثمّ ذهب مرّة أخرى إلى الغرفة، وبعد عدّة محاولات منّي في منعه من الدّخول استسلم وقرّر أن يخطو خطا “عُمر”.
بعدها بفترة شاركت مع الأطفال في السّاحة المفتوحة للّعب، قمنا بعمل سباقات للجري جماعيّة، وبعدها منفصلة بنظام زوجيّ، واستمتعت ربّما أكثر منهم بهذه السّباقات، شاركتني “نادين” في مراقبة الأطفال واللّعب معهم في هذا الوقت، وبعدها فوجئنا بشجار عنيف بين “خالد” و”عُمر” الفتى الّذي يرفض الانضمام للاجتماعات والّذي تحدّثت عنه سابقًا، جرينا مسرعتين لنفصلهما عن بعضهما البعض، وجلست”نادين” لتهدئتهما، والحديث معهما بهدوء عن ضرورة التّحدث لحلّ الخلافات لا استخدام العنف.
“ولمّا تقعد تضربه وهو يضربك، هتستفيدوا إيه في النّهاية؟ هيجرا إيه؟ المشكلة هتتحلّ؟” كان هذا سؤال”نادين” لهما، ويبدو أنّه ساعد في إقناعهما بفكرتها بشكل أفضل منّي بكثير، بعدها صعدت للاستراحة وقابلت “خالد” و”عُمر” صاحبا الشّجار الأوّل لا الثّاني وأخبرني “عُمر” وقتها: “ميس، إحنا اتصالحنا خلاص واعتذرنا لبعض”، شكرته بسعادة شديدة، وسألته: “بس أنت فاهم إنّه مش هينفع برضة تدخل أوضة الكمبيوتر؟”

أجابني: “أيوه”، فسألته مرّة أخرى:”ومش زعلان؟”، فهزّ رأسه نفيًا، ولكن لم يبدو أنّ هذا هو رأي خالد أيضًا، فأسرع لغرفة الحاسب بكل قوّته، وذهبت أنا وراءه، وجدت هناك “أنس” زميلي يجلس معهما ليراقب الوضع، فأخبرته بانفعال أنّ هذا الطّفل يجب عليه مغادرة الغرفة، فبعد الشّجار الأوّل والشّجار الثّاني ها هو الآن برفض تنفيذ الاتّفاق أو العقاب المفروض عليه، لم أستطع أن أتحمّل المزيد، هدّأني “أنس” وأخبرني أنّني الآن أقوم بالتعامل مع المشكلة بشكل شخصيّ، وهذا ما لا يجب علينا فعله، و”خالد” تحديدًا يعاني من مشكلة إدمان ألعاب الحاسوب، لذلك نحن نقوم بحرمانه من الأمر الوحيد الّذي يقوم بتهدئته ويشعره بالسّلام  في هذا المكان، اقتنعت بوجهة نظره وغادرت في محاولة لإيجاد بعض الهدوء والسّلام النّفسيّ لي أنا الأخرى، حتّى جاء معاد المغادرة، ووصلت إلى المنزل وأنا أعلم في قرارة نفسي بأنّه من المستحيل أن أذهب غدًا، على الرّغم من أنّه اليوم الأخير، وأنا أتمنّى رؤية بعض الأطفال وتوديعهم، ولكنّي لا أريد الارتباط عاطفيًّا بهم فأحمّل نفسي ما لا تطيق، بجانب شعوري بالإرهاق البدنيّ الشّديد ولا أقوى على رفع ذراع، ليكن يوم غد إجازة، لأستعدّ لليوم الأخير للمتدرّبين بطاقة كبيرة.

اليوم الثّامن: (إجازة)

اليوم التّاسع: (وماذا بعد؟)

في الاجتماع الصّباحي لنا تحدّثت بشكل مختصر عن أفكاري تجاه التّجربة في نقاط سريعة، وأخبرت زملائي بأنّهم سيقرأون كافة التّفاصيل المتعلّقة برأيي على الموقع، لأنّني أستطيع التّعبير بالكتابة بشكل أفضل بعد تقييم التّجربة في هدوء، لذلك فالسّطور التّالية ليست فقط نوعًا من أنواع التّكملة لختام توثيق تجربة، بل وفاء بوعد لهم لقراءة ما يمكن أن يمنحهم ويساعدهم على رؤية صورة أخرى لتجربتنا سويًّا.


كيف انعكست تجربتي على رؤيتي للواقع؟

هناك مجموعة من الغرباء يجتمعون سويًّا في مكان، لا يعرفون بعضهم البعض ليتعلّموا ويكتشفوا أسلوبًا جديدًا للتّعلّم… للحياة…
في البداية كان عليهم فهم أنهم جميعًا في هذا المكان لأهداف مختلفة، كل منهم يحمل مشاعر وأفكار ورؤى ومميزات وعيوب ومعتقدات لا تشبه الآخر، وعليهم إعادة تعريف الثقة لأنفسهم ولزملائهم “المختلفين”، بعضهم لا يفهم جدوى هذا العمل ولكنه يكمله ليكتشف التجربة كاملة.
ينتخبون فردًا منهم في كل مرة لييسر ويدير اجتماعاتهم التي يتخذون فيها قراراتهم اليومية، وفي نهاية يجلسون ليناقشوا ويحللوا نتائج هذه القرارات ويعيدون تقييمها واقتراح الحلول الممكنة من كل فرد يرغب في طرح رؤيته والتصويت على حل منهم لتنفيذه وتجربته، ومن ثم إعاده تقييمه في اليوم الذي يليه لمعرفة إن كان مناسب أم لا.
ينضم إليهم مجموعة جديدة من الأطفال والصغار قليلي الخبرة، يجلسون معهم يشاهدونهم ينفذون هذا الأسلوب فيكتسبونه ويطبقونه على أنفسهم وينشرونه في بيئتهم المحيطة، وبعدها تنتهي التجربة.
تنتهي التجربة بعد 9 أيام، ولكن ماذا بعد؟ ماذا عن الأسلوب الذي اكتسبناه واستطعنا تطبيقه والتعايش به في فترة بسيطة ونحن جميعاً غرباء وقد لا يملك بعضنا الثقة في نفسه ليمنحها لغيره…

أليس ما قمنا به شبيه كثيرًا بما نُحلم بتطبيقه على نطاق أوسع في بلادنا؟

نحيا جمعيًا مختلفين ولكن نثق في احترام كلًا منا في تطبيقه للنظام ودفاعه عن حرية الآخر وحقه في الحياة، نضع دستورنا بأيدينا، نقرر من ننتخبه “ليدير” لا “ليسيطر” على حياتنا ويتغير مع الوقت ونضع دستورنا وقوانينا بإيدينا بعد أن نصوّت عليها ونتأكد أن الجميع أتيح له أن يعرض فكرته ووجهة نظره وحلوله دون التقليل من قدره أو قدر فكرته أو ممارسة العنصرية ضده، والحل الأنسب هو الذي يتم اختياره.
وماذا إن كان اختيارًا خاطئًا وفشل تنفيذه؟ نُجرب اختيارًا ثانيًا، واختيارًا ثالثًا، واختيارًا رابعًا وإلى ما لا نهاية، وكيف يُمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك حلًا واحدًا صالحًا لكل العصور وكل الأجيال؟

أجيال جديدة تأتي، ترانا نسير على هذا النظام، نحترم بعضنا البعض، نُقدّر الآراء المختلفة، ونحترم حقهم هم أيضًا في اتخاذ قرارات حياتهم ونستمع إليهم ونهتم بهم، فيخرج منهم من يؤمن بأن (هناك حُب في هذا المكان) في هذا الوطن، ويؤمنون أن تعليمهم هو مجرد انعكاس لأسلوب حياتهم، وعندما نُخبرهم في يوم أننا نتعلم لنطور حياتنا ونقدم للبشرية ما يفيدها في بيئة تكاملة لا تنافسية، لن يهز أحدهم رأسه وهو يضحك بسخرية أو ربما لن يفهم أصلًا ما هذا الهراء الذي نقوله.

لا أعلم إن كانت هذه مشكلة خاصة بي لأنني مصرية، أم هذا أمر طبيعي، ولكن لا يمكنني الابتعاد عن فكرة تحليل أي أسلوب تعليمي وانعكاس أثره على صورة المجتمع، وكيف يمكن تحقيق الحرية والاحترام والحب الذي نفتقده في وطني.

هذه السطور الأخيرة تمثل ببساطة مُلخصًا لتجربتي التي استمتعت بها ومدتني بالأمل المؤلم في هذا الوطن عندما استطعنا خلق ما نحلم به في 9 أيام وخاصة مع هؤلاء الصغار، الذين لا يمثلون وحدهم مصدر الأمل، كما كنا نحن المشاركون الشباب لزملائنا الأكبر سنًا، وعبروا عنه بالقول في اليوم الأخير وعارضتهم بشدة فيه، لأننا لن نحيا بالصغار وحدهم، ولا يمكن أن تكون هناك فئة وحيدة مصدرًا للأمل ومحلًا للثقة، نحتاج لأن نؤمن بأن هناك كبارًا لا يعارضون رغبتنا في الحياة، يدعموننا بخبرتهم وحبهم، وشبابًا يبذلون طاقتهم في بناء واقع أفضل، وصغارًا يؤمنون أنهم يستطيعون قيادة أنفسهم ويحققون الأفضل لمجتمعهم ولمستقبلهم.

وماذا بعد؟


ذكرت في البداية أن هناك 4 عناصر يمثلون نجاح العملية التعليمية، النيّة في التعلم، الإبداع، انعكاس الآثر، والمشاركة.
سلسلة المقالات هذه تمثل مشاركتي بشكل بسيط لكي أضمن نجاح تجربتي، ولكن المشاركة الأهم والأكبر مع صغاري الأعزاء، الأصدقاء والمعلمين الأفضل على مر العصور، طلابي السابقين.
قررت مشاركتي التجربة معهم وتنفيذها وتطبيقها في مجتمعنا الصغير، لأرى ما يمكن تحقيقه على أرض الواقع معهم، وفي المقال القادم، سأكتب حول نتائج أول اجتماع معهم، وكيف سيكون أثره عليهم وعليّ.


إقرأ أيضاً:

تجربة جديدة(3): هناك حبّ في هذا المكان.

– تجربة جديدة (2): نوايا وتوقّعات.

– تجربة جديدة (1): التعليم الموجه ذاتيًا.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك