تجربة جديدة(3): هناك حبّ في هذا المكان

7 أكتوبر , 2016

pencils-2

بعد قراري بأن أستريح ليوم واحد وأحارب خوفي من فقدان أي معلومة، وثقتي في زملائي في مساعدتي في فهم وتعويض ما فاتني، استيقظت في صباح اليوم الرّابع وأنا متحمّسة للقاء الأطفال واكتشاف طبيعة الأنشطة الّتي سنقوم بها معهم، وكيف سنتمكّن من تنظيم المعسكر بشكل ناجح، والأهمّ ماذا سأتعلّم من هذه التّجربة في تطبيقي العمليّ معهم؟


اليوم الرّابع: (هناك حبّ في هذا المكان)

استقللت الحافلة الّتي تنقلني أنا وزملائي يوميًّا لمكان التّدريب، لتستقبلني تلك الوجوه الصّغيرة الجديدة الّتي سترافقنا لمدّة 5 أيّام قادمة، كان بعضهم ما يزال خائفًا من ترك والدته مثل “عُمر” الصّغير ذي الأربع سنوات، و”حمزة” الّذي لم يستطع أن يخبرني ما هو عمره تحديدًا، ولكنّي اكتشفت لاحقًا أنّه في الرّابعة من عمره مثل “عُمر”.
عند دخولنا إلى المدرسة -مكان التّدريب-  تعامل الأطفال بتلقائيّة شديدة، فقسّموا أنفسهم إلى فريقين وبدأوا في لعب كرة السّلّة وكرة القدم، قبل أن يبدأ أيّ نشاط، وقبل أن نتعرّف عليهم جميعًا، وحتّى قبل وصول بقيّتهم إلى المكان، وقفت مع زملائي للحظة لأتطلّع على خطّة اليوم ودوري فيها، وعلمت أنّ الأطفال تمّ تقسيمهم إلى حوالي 5 مجموعات، كلّ مجموعة مسؤول عليها فردان (ميسّران) منّا، يجتمعون معهم صباحًا لتحديد نوايا كلّ طفل في التّعلّم، ثمّ ينطلقون للاجتماع الكبير الصّباحيّ، وبعدها يبدأون في ممارسة الأنشطة بحسب الخطّة الّتي تمّ وضعها في الاجتماع، وفي نهاية اليوم يجتمعون مرّة أخرى في نقطة تجمعهم مع الميسّرين المسؤولين عليهم، وبعدها للاجتماع الأخير ثمّ الاستعداد للرّحيل وركوب الحافلة.
باقي الميسّرين كانوا مسؤولين على متابعة الأنشطة مع الأطفال، وتنسيق وترتيب طاولة الطّعام الخاصّة بهم، وتسجيل أسماء الحضور يوميًّا، ومتابعة خطّ سير الحافلات ومرافقة الأطفال حتّى وصولهم لأهاليهم في نهاية رحلة الذّهاب.
في الاجتماع الصباحيّ الأوّل وبعد تقديم أدوات التّعلّم (اللّوحات) الّتي استخدمناها من قبل ـ في الأيّام الثّلاثة الماضية ـ وشرح كيفية استخدامها للأطفال فاجأنا استيعابهم السّريع لها، وانهالت بعدها العروض المقدّمة من طرفهم لإقامة أنشطة طوال اليوم، فهناك من ستقوم بشرح منهج المنتسوريّ بحسب ما تعلّمته عن طريق الإنترنت، وهناك من يرغب في اللّعب بالكرة ويريد انضمام زملاء لفريقه، بالإضافة لمن قرّر إقامة نشاط لتدريس البرمجة لزملائة.
باختصار لقد تفهّم الأطفال جميعهم ـ صغارًا وكبارًا ـ أسلوب التّعليم الذّاتي الموجّه في حوالي 5 دقائق وقرّروا تطبيقه بعدها مباشرة بسهولة وسلاسة مفاجئة للجميع، وبدون الدّخول في تفاصيل كثيرة، يمكنني أن أنتقل مباشرة لنتيجة اجتماعنا الختاميّ كميسّرين في نهاية اليوم وملاحظات كلّ فرد منّا، كختام لأحداث اليوم الأوّل في معسكر الأطفال، واليوم الرّابع في التّدريب.
حكى زملائي عن ردود أفعال الأطفال لهذا اليوم، الّذي سار على ما يرام بدون مشاكل، واستمتع الجميع به، وذكروا تحديدًا بعض الجمل الّتي أخبرها بهم الأطفال في تعليقهم عن الأنشطة التي قاموا بها، فكانت كالتّالي:
“أنا رحت لـ 100 حضانة ودي أحسن حضانة رحتها في حياتي، هي دي الحياة!”
“أنا مش مصدّق إنّه كل حاجة بقترحها ماحدش بيقولي عليها لأ!”
“أنا بحبك، فيه حبّ في المكان ده”


اليوم الخامس والسّادس: (هيّ فوضى)

مع بداية اليوم الثّاني للتّعامل مع الأطفال والخامس من التّدريب بوجه عامّ، بدأت أشعر بانتمائي للمكان وتعاملي بأريحيّة أكبر، قرّرت المشاركة مع الأطفال في أنشطتهم اليوميّة بعد سماعي لتعليقات زملائي عن مدى عبقريّتهم في تطبيق ما تعلّموه في دقائق معدودة وقدرتهم على تنظيمهم لأنفسهم وقيادة برنامجهم التّعليميّ اليوميّ بنجاح، كما قرّرت أن أشارك بتنظيم نشاط صناعة رسوم” كوميكس” لمن يرغب في الانضمام إليّ من الأطفال في غرفة الفنون.
استمتعت كثيرًا مع المجموعة الصّغيرة الّتي انضمّت إليّ لرسم لوحة “كوميكس” تعبّر عن قصة نشاطنا اليوميّ، وفي أثناء قيامنا بذلك انضمّ إلينا في الغرفة “عبد الرحمن” و “إريك” في أحد المساحات الفارغة للجلوس وتعلّم اللّغة العربيّة، وبالطّبع كان المعلّم وقتها هو “عبد الرحمن” وتلميذه هو “إريك”، الّذي أبدى اهتمامًا حقيقيًّا وإصغاءً لعبد الرحمن كي يتعلّم منه، وتوقّفت كثيرًا عند هذه اللّحظة الّتي يشعر فيها الطّفل بأهمّيّته وقدرته على العطاء والمساهمة والحصول على التّقدير والاحترام من الأكبر سنًّا دون السّخرية أو التّقليل من شأنه، وفي الواقع استمرّ هذا الأمر طوال فترة التّدريب، فكنّا نؤمن جميعًا بأنّنا نتعلّم من بعضنا البعض، كلّ شخص منّا لديه الكثير ليمنحه للآخرين.
في اليوم التّالي تغيّب “أحمد” و”صافي” لظروف طارئة وكان لابدّ من وجود ميسّر بديل في مجموعتهم الصّباحيّة للأطفال، فتطوّعت مع زميلي “أنس” لكي نحلّ مكانهم وندير المجموعة الّتي واجهتني فيها مشكلة كبيرة لاكتشافي عدم قدرتي على التّعامل مع الأطفال صغار السّنّ، وإدارة عمليّتهم التّعليميّة بسهولة كما سبق عندما كنت أعمل معلّمة للصّفوف الإعداديّة.
في مجموعتي الصّباحية كان هناك الأخوان “عبد الرحمن” و “عُمر” اللّذين لا يتردّدان لحظة في قول “لا” لكلّ اقتراح أو أمر أو طلب أطلبه منهما، حتّى ولو كان الالتزام بالقوانين الّتي وضعناها سويًّا كلّ يوم.
شعرت بالغضب الشّديد، فهما لا يتركان لي الفرصة للحديث معهما، يتحدّثان وهما مغادران للمكان دائمًا، وحتّى طلبي لهما بهدوء لا يفيد، حتّى جاء موعد الاجتماع الصّباحيّ الكبير الّذي تقرّر إقامته في غرفة الموسيقى هذا اليوم، وقفت في الخارج بينما كان يجلس “إريك” بجانبي، وخرج “عُمر” من الاجتماع ورفض المشاركة فيه، طلبت منه بهدوء أن يذهب لينضمّ لزملائه فردّ عليّ بعصبيّة وكرّر رفضه “مش عايز أشارك!!”
ثمّ أتى “بجيتار”، وجلس أمامي أنا و”إريك” وبدأ في التّطبيل عليه، سألني “إريك” عن الحوار الدّائر بيني وبين “عُمر”، وعندما علم برفضه، ابتسم بهدوء وأخبرني أن أدعه وشأنه، فهو لا يستطيع الاندماج مع أقرانه في الدّاخل، ووجوده سيسبّب أزمة وإزعاجًا، لأنّه لا يحبّ ما يفعله، وسيرغب بتشتيت الانتباه، لذلك من الأفضل ترك مساحة من الحرّية له لفعل ما يريد تحت مراقبتنا، ثمّ أشار إليه وأخبرني بأن أصغي لما يقوم بعزفه، فهو لا يقوم بحركات عشوائيّة على “الجيتار”، بل يستكشف أصوات الأوتار بنقره عليه بطريقة مختلفة ليصنع لحنًا، وفي أثناء ذلك أنضمّ إلينا “عُمر” آخر قرّر الخروج من الاجتماع ليعزف على آلة موسيقيّة بجانب صديقه.
شعرت بالضّيق من نفسي بسبب قسوة مشاعري صباحًا على “عُمر” ورغبتي في أن ينصاع لأوامري ـ حتّى وإن لم تكن بصيغة تهديد ـ وتكراري لسلوك معلّمينا في السّابق وإصرارهم على أن نسير على النّظام الّذي صنعوه ـ ولا يتناسب مع جميع شخصيّاتناـ.
في النّهاية استطعنا أن نستوعب ونتعامل بشكل جيّد مع اختلاف “عُمر” وشعر هو بالسّعادة لعمله ما يريد، بدون أن يُعامَل كالمنبوذ أو يُعاقَب على اختلافه.

وفي هذا الشّأن تحديدًا تعلّمت الكثير والكثير، والّذي لا تتّسع المساحة الآن لذكره بشكل كامل، ولكنّي سأتطرّق إليه في المرّة القادمة من سلسلة المقالات هذه، فتابعوها إن رغبتم في معرفة المزيد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك