تعليم النحو بين روح الشيخ ودرجات المدرسة -الجزء الثاني-

4 ديسمبر , 2016

كُنَّا قد عَرَضْنَا للنحو الوظيفي في الجزء الأول بوصفه نوعًا من أنواع الخلل التعليمي الذي تَحْيَاهُ مدارسُ العَرَب، مما يحول بين أبنائها وبين عربيتهم الْمُتَغَيَّاةِ، وهنا نعرض لجانب آخر من جوانب الخلل في هذي المنظومة المدرسية، وهو دراسة النحو قبل الأدب، أو بعبارة أخرى: التعرض لعلم النحو قبل عمل النحو.

العِلْم والعمل ثنائية قديمة في ذهن العربي، لكن العربي أيضا كان يعيش لها واقعًا لُغويًّا، هو سَبْقُ العَمَلُ للعلم، فالعربي يتكلم العربية [العمل] قبل أن يَكْتُبَ النحاةُ نحوَهم [العلم] والفقهاء من الصحابة والتابعين كانوا يُفْتُون الناسَ [العمل] قبل أن يكتب علماء أصول الفقه أصولَهم [العلم] وهكذا دَوَالَيْك.

بل كان للعرب عنايةٌ بالعمل هذا وتوجيهٌ له، فَهُم الذين يُرسلون أبناءهم لِيَرضعوا العربية الأفصحَ مع هواء البادية، وصفاءِ الصحْراء، ونقاءِ الحقيقة وبساطتها، بخلاف زَيْف الحاضِرَة، وصَخَبِ اللهجاتِ فيها من رَدِيءٍ وجَيِّد، والتِبَاس الحق فيها بألوان الباطل، وظَلَّ العُرْفُ على ذلك إلى ثَقُلَ الْحِمْلُ على الْحَامِل؛ فَنَاءَ به، وضَاعَ مُلْكُ العَرَب، ومِن بَعدِه مُلْكُ المسلمين.

والرأيُ أن الطالب إذا أراد العربية فإن العربية موجودة في النصوص الأصلية في الشعر والقرآن، أما ثمراتُ عقول العلماء كالنحو والصرف والبلاغة فعِلْمٌ لا عمل، والعلم مهم لأسباب عديدة، لكن ما قيمة الاستعداد بكل أدوات الطبخ دون وجودِ أيٍّ من الْخَضْرَاوَات أو الفواكه أو الأَرُز أو الدقيق … مما يقع عليه فِعْلُ الأَكْلِ لا فِعْلُ الطَّبْخ، هذه هي حالة دارسِ النحو المسكين في المراحل التعليمية المختلفة وبخاصة في المرحلة الابتدائية، فلا هو طَبَخَ، ولا هو أَكَلَ، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

ومعنى هذا أننا لو سَلَّمْنَا للنحو الوظيفي أو لأيِّ طريقة من طرق تدريس النحو الذي يدرسه طالب الابتدائية، فإن الطالبَ مهما كان جيدا في هذا النحو؛ فإنه لن يستطيع إنشاءً كلامٍ عربيٍّ سليمٍ نَحْوِيًّا، وهو الواقع المؤلم الذي نراه؛ لأنه ابتداءً لم يمتلِئْ من الكلام العربي السليم، ولو تَعَرَّضَ الطالبُ لحفظ القرآن أو لِحفْظ ديوانٍ أو دِيوانَيْن –وهو أنفع في هذه المرحلة من حفظ القرآن- قبل دراسة النحو فإنه يستطيع أن يُعَبِّر عن مراد نفسه بعبارة سليمةٍ جميلة، فيها أشتات مجتمعات من الأساليب التي وَعَاها، مع تغيير أضافَهُ هو عليها، ويَتَرقَّى بعد ذلك في إحداث تغييره هذا حتى تستقر شخصيته اللغوية أو ما يسميه بعض العلماء البَصْمة الأسلوبية للشخصية الأدبية.

والحق أن الأزهر لم يكن فيه المرحلة الابتدائية هذه، بل كان يبدأ من المرحلة المتوسطة [الإعدادية] وقبل تنظيمه كان لا يَلتحق به الطالب إلا بعد حِفظ القرآن وتعلم الحساب والإملاء والخط وبعض ما يكون به الإنسانُ إنسانًا. والشاهد هنا هو حفظ القرآن، وهو نصٌّ لُغَوِيٌّ طويلٌ سليمٌ بليغٌ يمكن لحافظه أن يأخذ منه بعض الأساليب الجاهزة، كقولك: ما أنا بطارد ضيفي، وهذا يوم مجموعٌ له الناس، ومن عفا وأصلح فأجره على الله، ولا تكونن من الغائبين غَدًا، أليس الصبحُ بقريبٍ؟! … إلخ، ثم هو نَصٌّ يُوَسِّع المعجمَ اللغويَّ الشخصيَّ لحافظه لأنه يتعرض لكلمات لا تُستعمَل كثيرًا في الحياة اليومية، كقولك: يُنْغِض ويُصَعِّر ويُرْكِس ويَكْنِد … إلخ.

وفي بلاد المغاربة كانت البداية بالشعر لا سيما ديوانُ امرئِ القيس، وهذا حتى لا تخطئ الألسنة في القرآن تعظيمًا له، وعندي أن الشعر أنفع؛ لأنه نص بشري غير معجِز يمكن للطالب محاكاته ولو بكلام مُبْتَدِئ، لكنه ليس مستحيلَ المحاكاة، بل بعض الأشعار قد كُتِبَتْ للأطفال تخصيصًا، كما فَعَل أمير الشعراء أحمد شوقي، فأَمَل الطالب يتكون وينعقد على أن يقول مثله، وهذا دور الشيخ في تعليق الطالب بالغاية، أما القرآن فقاطع للطَّمَع في أن يحاكِيَه أحدٌ، كأنني أروِّي الطالب ما لا يقدر إنسان على الإتيان بمثله وأقول له ستستقيم لغتك بمحاكاة ما لا يحاكَى؟!

وعلى أي من الطريقتين فكلاهما يقدم المخزون اللغوي الصحيح البليغ أولا؛ فتُشرق في نفس الطالب معاني العرب والمسلمين، وقِيَم المحتوى اللغوي من كَرَمٍ وإباء وعزة وغير ذلك مما يراه في عين شيخه حين ينشد الشعر ومما يجري في قَسَمَات وجهه وإحساس قلبه بكلمات القصيدة أو الآية، حتى إذا كان موعد تحديد مكان الفاعل من المفعول، وموعد التفريق بين المفعول به والمفعول معه والمفعول له والمفعول فيه والمفعول المطلق كان ذلك أسهلَ، وكان الإعرابُ النحوي –لذي هو العلم- بيانًا عما يجده الطالبُ في نفسه من دراسة الشعر والقرآن وحفظِهما، وهذا معنى قولِ النحاة: الإعرابُ فرعُ الْمعنى.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك