تعليم النحو بين روح الشيخ ودرجات المدرسة-الجزء الرابع-

24 ديسمبر , 2016

1_43

ما معنى أن يتحول النحو الذي هو علمٌ شريفٌ يتلقاه الطلاب من شيخهم عند العمود في بيت الله تعالى إلى مادةٍ دراسيةٍ في نظام المعاهد والمدارس والجامعات؟

معنى هذا أنه صار محضَ مادة دراسية إجبارية، على الطالب فيها أن يجتاز امتحانًا، لا أن ينتفع بجهد أبائه وأجداده كالخليل وسيبويه الذين بذلوا أعمارَهم في خدمة هذا العلم إرضاءً لله تَقَدَّسَتْ أسماؤه، أما المادة فيَغُش فيها الطلاب ما استطاع إلى ذلك سبيلا، والمادة يمكن إلغاء بعضها لو سمح النظام التعليمي بذلك، والمادة أكبر اتصالها بالمدرسة، أما العلم فهو شيء آخر؛ حيث إن أكبر اتصاله بالله -جَلَّ ثناؤه- لا بالمدرسة.

حينما كان الطالب الأزهري يريد تعلم النحو فإنه يندفع إليه لكي يفهم القرآن العظيم، لأنه يعلمُ أن كلَّ أبوابِ القرآن مسدودةٌ مُوصَدةٌ أمامه بلا نحو، فهو إذن محبٌّ عاشقٌ، يسعى إلى حُبِّه؛ لِينْهَل من مَعِينِه، وهنا يوجد ما يسميه النفسانيون والتربوين الاتجاه لا محض الْمَيل، وعندهم أن الاتجاه مكتسب يمكن قياسه، وهو أثبت من الميل.

حينما يجد طالب المدرسة مادة اللغة العربية درسًا يوميًّا مفروضًا عليه يكون احتمال الاستفادة متوقِّفًا على حُسْنِ الطَّرْح، لا على رغبةِ الطالب في التعلم، ومن المحتمل جدًّا أن ينتظر فراغَ الدَّرْس حتى يمرح، أو يحاولَ التغيُّبَ عن الدرس لو لم يكن المعلم مسرحيًّا بالقَدْرِ الكافي، وتتحوَّلُ العملية التعليمية إلى ملاحقات الأستاذ للطالب بالحركات المسرحية واللفتات المضحِكة حتى يحب المادة، أما العلم فلا جَرَم أنه شأن آخر.

العلم وُضُوءٌ وارتداءٌ لِثَوبٍ محبَّبٍ للنَّفس لائقٍ، وتَعَطُّر، ومَشْي في سكينةٍ إلى المسجد حيث محلُّ راحةِ القلب والنفس والعقل وانتعاشهم جميعًا معًا، ونية الاعتكاف–على مذهب الشافعية والحنابلة- والسلام على أولياء الله من المشايخ، والجلوس عندهم وبين أيديهم، والانتفاع ببركاتهم، حتى تمتزج مسائل الخفضِ بالفتحة والنصبِ بالياء مع روحانيات التربية العلمية القلْبية التي يُفيضُها الشيخ على المريد بنظرةِ والدٍ، ولَمْسَةِ رضا، ودعوةِ وَلِيٍّ.

أما المدرسة فزجر للقيام من النوم لا من أجل الصلاة، بل من أجل المثول في الطابور الصباحي المدرسي، ثم زيٌّ رسمي هو غالبًا ليس من أزياء العرب في شيء، ثُمَّتَ اصطفافٌ أمام وَثَنٍ جديدٍ اسمه العَلَم ليس بينه وبين الإسلام عُلْقَة، لكنه شعارٌ قوميٌّ أو قُطْرِيٌّ يُراد له أن يكون انتماءً بديلا عن الانتماء لله تعالى، وإن لم يُصَرَّحْ بذلك، ثم دَفْعٌ شديدٌ إلى الفصول حيث لا خروج إلا بإذن، ولا حركة إلا بإذن، ثم يقال إننا نعلمهم النظام، ونريدهم جيلا حرًّا؟!

أين ذلك من حرية المسجد، في اختيار الشيخ، وفي الحضور لكيلا يفوت العلم بالمسائل، لا لتسجيل الحضور، وفي إعادة القراءة –إن شاء الطالب- على شيخ آخر للاطمئنان من إتقان المتن قبل تجاوزه، وفي معنى: أجزتُكَ بالكتابِ إلى مؤلِّفِه بسندٍ متصلِ يا بُنَيَّ، ومعنى: قَبِلْتُ يا مولانا الشيخ، فهل يقترب هذا من ذاك؟! أو يدانيه؟! أو يبلغ منه طرفًا؟!

وهل في هذا العَنَاء المدرسي من غَنَاء الشيخ شيئًا؟! ثم لماذا كلُّ هذا العَناء؟! لأن المدرسة مفروضة على الناس كلِّ الناس؛ لأنها مدرسة، أما العلم –رحمه الله- فمتى كان العلم مفروضًا على كل الناس؟! إنما هي أوامر الله التي يؤديها المسلم طائعًا راضيًا مختارًا، لا مُكرهًا مُرغمًا محمولًا عليها، ومتى كان العلم عند المسلمين لكل الناس مبذولا؟! وهذا صوتُ الإمامِ مالكِ بن أنسٍيخترق حاجز الزمان قائلا: “لا ينبغي للعالم أن يتكلم بالعلم عند من لا يُطِيعُه، فإنه ذُلٌّ وإهانةٌ للعلم”[1] ويُكمِلُ من بعده الإمام محمدُ بنُ إدريس الشافعيُّ منشِدًا:

وَمَنْ مَنَحَ الْجُهَّالَ عِلْمًا أَضَاعَهُ             وَمَنْ مَنَعَ الْمُسْتَوْجِبِينَ فَقَدْ ظَلَمْ[2]

فمِن أين جاءنا هذا الطَّاعُون؟

جاء حين أردنا أن نتبع سَنَنَ العالَم الشيوعي، وصرنا ننقُل تجارِبهم بلا عَرْض وتمحيص على ثوابت الأمة، فاغتُصِبَتْ دُورُ أبناء الناس لتحول مدارسَ بعد أحداث 1952 في مصر وما وازاها في كثير من بقاع العالم العربي، وجُعِلَ التعليمُ للجميع، وحُمِّلَتِ الجامعة ضعفَ طاقتها في عام واحد، حتى فقدَتْ كل المؤسسات التعليمية معناها حتى الأزهر، وصارت أختامًا وأوراقًا فحسْب، وصارت الجهاتُ والهيئاتُ إذا طَلَبَتْ مُتْقِنًا اختبرتْهُ، بعد أن كان صَكُّ الدراسة دالًّا على الفَهم في حامِلِه، لكن صارت تلك الشهادات الآن لا تَرْفع جهلًا ولا تمنح علمًا حتى الدكتوراه.

والنحو جزء من الحياة الأدبية، اختلَّ باختلالها، ونقصَ بنقصان ما يحذِفُه الأساتذةُ من أبوابه في كل سنة؛ لأن الوقتَ المحدَّد لم يُمْكِنْهم من شرحه، وتحوَّلَ من عصر الأُبَّهَةِ العلمية الزاهية في المتون والشروح والحواشي والتقريرات إلى عصر المختصرات والملخَّصَات والتبسيطات وحُطام المطابع الحكومية، فلله درك من علم! كان سُلْوَان العلماء، وخَمْرَ النُّدَمَاء يومَ كان العَرَبُ عَرَبًا والمسلمُونَ مُسلِمِين! ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم!

[1]كما جاء في حلية الأولياء: 316/6

[2]هو في ديوانه.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 4 تعليقات

وجدان حاتم منذ شهرين

“العلم وُضُوءٌ وارتداءٌ لِثَوبٍ محبَّبٍ للنَّفس لائقٍ، وتَعَطُّر، ومَشْي في سكينةٍ إلى المسجد حيث محلُّ راحةِ القلب والنفس والعقل وانتعاشهم جميعًا معًا، ونية الاعتكاف–على مذهب الشافعية والحنابلة- والسلام على أولياء الله من المشايخ، والجلوس عندهم وبين أيديهم، والانتفاع ببركاتهم، حتى تمتزج مسائل الخفضِ بالفتحة والنصبِ بالياء مع روحانيات التربية العلمية القلْبية التي يُفيضُها الشيخ على المريد بنظرةِ والدٍ، ولَمْسَةِ رضا، ودعوةِ وَلِيٍّ. ”

الله.. الله :)

    د.حاتم الأنصاري منذ شهر واحد

    حفظكم الله، وبارك فيكم.

أسماء عجلان منذ شهرين

حتي قيل إن البارودي تعلم الشعر من استقراءه أساليب العرب..
أما نحن الجيل العصر فحيهل ولعل الأمل في الأبناء..
شكرا علي الأجزاء الأربعة ياد.حاتم تحلليل واستقصاء رائع استغنيتُ به عن ذلة السؤال يمنة ويَسْرة ..

    د.حاتم الأنصاري منذ شهرين

    بارك الله فيكم، أجل، روى لنا بعض أشياخنا عن البارودي أنه لم يكن يعرف النحو كمعرفة النحاة أو الأزاهرة، على علو شاعريته وسعة معجمه وحسن تصاويره.
    ويُعلم من ذلك أن التعرض للنصوص أفرض من التعرض للنظريات العلمية المبنية على النصوص.
    وفي كل خير.
    حفظكم الله.

أضف تعليقك