تعليم النحو بين روح الشيخ ودرجات المدرسة -الجزء الأول-

23 نوفمبر , 2016

 

لم يَعُدْ من المألوف أن يَتَعَرَّض الطالبُ في المدرسة لمادة اسمها النَّحْو، حتى لو كان يَدْرُس في معهدٍ أزهري، ذلك أن أكثر الأنظمة التعليمية في الوطن العربي اختصرت ذلك في مادة مُجمِّعَة للغة العربية، وصار الطالبُ يدرُس بذلك اللغةَ لا العربيةَ، وفَرْقٌ بِعَرْضِ السماء والأرض بين اللغة العربية والعربيةِ نفسِها!

وعلى ذلك لا يستطيع طالبُ الثانوية العامَّةِ “البكالوريا” التفرقةَ بين النحو والصرف عادةً، لكنه دَرَس من هنا مقتطفات من القواعد ومن هناك كذلك، ذلك لأن المدرسة شَغَلَتْهُ بِتَعَلُّم بعض القواعد تحت اسم “قواعد” وتَوَهَّمَتْ أن إتقانه لها سيحقق قدرتَه على البيان العربي ولو بالحد الأدنى، وهذا الأمر له آفات عديدة تَحُولُ بين الطالبِ وبين أن يكون الطالبُ عربيًّا بروحه وعقله ولسانه وثقافته.

إذن أين يقع الْخَلَل؟

الخلل له جهات متعددة، منها نظامُ الامتحانات وتحويلُ “العِلْم” الذي هو عِلْم إلى “مادة دراسية” التي هي درجات وشهادة، ومنها اعتماد ما يُسَمَّى “النحو الوظِيفِي” في ظل غياب الهدف الثقافي والتربوي من تعليم العربية، ومنها عَزْلُ السياق العربيِّ بقواعده ونصوصه عن السياق الإسلامي، ومنها أحيانا قَصْرُ السياق العربي بقواعده ونصوصه في حَيِّزِ السياق الإسلامي، ومنها عَجْزُ المعلِّم عن تحدُّثِ الفصحى والكتابةِ الأدبيةِ ولو بحَدٍّ أدنى، ومنها أحيانًا اقتصارُ المعلِّم على تحدُّثِ الفصحى دون دِرايةٍ كافيةٍ بمسائل العلوم العربية، وأمُّ البلاء تطويرُ تعليم اللغة العربية بمناهج الأعاجم وطرائق الغُزَاة الذين يمثِّلون الْمَثَل الأَعْلى والأُسْوَةَ الحسَنَة في الأدبيات المؤسِّسَة للمشتغلين بعلم النفس وعلم الاجتماع ومن ثَم علم التربية.

وحتى تُجْدِي هذه السطور بيانًا نافعًا سنَتَوَفَّرُ على آفةٍ واحدةٍ هي ما يُسمَّى “النحو الوظيفي”.

شهد القرن الميلادي المنصرم محاولات في مَجمع اللغة العربية بالقاهرة لِتَيْسِير الكتابة العربية والنحوِ العربي، ولم يَغِبْ عن المشهد بالتأكيد طه حسين مع مجموعة من الْمُدَجَّنين الذين يتعبدون الجديدَ من حيث هو جديدٌ فحسْب ولو كان هادِمًا للحضارة مُهْلِكًا للأمَّة، وسواءٌ كانت هذه نقطةَ البداية أو أحدَ أعراضِ المرض فإن أكثرَ المشتغلينَ بالتعليم في المدارس صارُوا يُفَكِّرون في تيسير تعليم اللغة العربية، وهذا يستدعي إيمانا قَارًّا في نفوسهم أنها صعبة؛ فإذا ما وُوجِهُوا بذلك انبَرَوْا لإثبات أنها ليست صعبةً، وبَعْد الجَهْد الجَهِيد يُقِرُّونَ بصعوبتها، والْمُشْكِلُ الأساسُ ليس في اللغة ولا في العربية، وإنما في أنهم لا يَعِيشُون بالعربية، وهذا يَحْصُل مع كل ثقافةٍ ومع كل لغةٍ، وقديما قالت العرب: مَا تَكَرَّرَ تَقَرَّرَ.

ومن هنا بدأت الفكرة الأولى في التيسير والتطوير والتَّسْطِيح للنحو بأن نَحذِفَ بعض أبوابه، وبناء عليه يجب علينا أن نبحث في قوائم الشيوع عن القواعدِ الأكثرِ استعمالا ونُبْقِي عليها، والأقلِّ استعمالا ونحذفُها تخفيفا على الطلاب، وتخديرًا لضمائر مَن بقي فيه ذَمَاءُ ضميرٍ سَنَدَّعِي أنها سَتُؤجَّل إلى مستوًى أعلَى، وبهذا نُفَرِّغُ المادة التي يتعاطاها الطالب عامًا بعد عام من محتواها الفعَّال، إلى أن تصبح على أحسنِ تقدير مختاراتٍ من شرحِ قَطْرِ النَّدى! وعلى أسوَئِه شِرْذِمَةً قليلةً من القواعِدِ مبثوثةً بين أثناء كتاب اللغة العربية.

مشكلة استعمال قوائم الشيوع أنها لا تراعي الغاية التي من أجلها ندرُس العربية وندرِّسها، فالعربيةُ ابتداءً هي هُوِيَّةُ هذه الأمة، ودِينُها، وفكرها، وروحُها، ونصوصُها هي أعمدة هذه الأمة ابتداءً من القرآن الكريم مُرورًا بالشعر ووصولًا إلى النثر، والقرآن والشعر والنثر جاء فيهم استعمال أسلوب التنازع وأسلوب الاشتغال واستعمال “ما” التَّمِيمِيَّة و”ما” الحِجَازِية، هذه المسائل التي يراها المطوِّرون نادرةً أو غيرَ شائعةٍ في لغةِ الناس اليوم بِزَعْمِهِم (أي: لغة الإعلام اللهم احفظنا منها).

ومعنى حذف هذه الأبواب وغيرها لأنها غير شائعة أن التعليم المدرسي يقوم بدوره المخطَّطِ له في عَزْلِ الأبناء عن تراث آبائهم؛ لكيلا يفهموا عن الله إذا قرؤوا كلامه، ولا عن رسوله -صلى الله عليه وسلم- ولا عن شعراء الأمة، والشِّعْرُ هو فَنُّ العربية الأول بلا مدافِع.

ولِنَقِفَ على بعض التفاصيل نحتاج أن نَعْلَم أن الطريقة الأزهرية قبل تنظيم الأزهر -وبُعَيد تنظيمه- كانت تقضي بأن يدرُس الطالبُ النحوَ على هذه المستويات:

  1. متن الآجرومية لابْنِ آجُرُّوم.
  2. شرح قَطْرِ النَّدى لابن هِشَام.
  3. شرح شُذُورِ الذَّهَب لابن هشام.
  4. شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك.
  5. شرح ابن هشام على ألفية ابن مالك، وهو أوضح المسالك.
  6. مغني اللبيب عن كتب الأعاريب لابن هشام.

وإلى هنا تنتهي الدراسة الثانوية التي كانت في خمسة أعوام، وقبلها الإعدادية في أربعة أعوام، وهذه الدراسة كانت تهدف إلى تخريج عربي مسلم مثقف فقط، لا عالمٍ في العربية ولا مُفْتٍ ولا مفسِّرٍ ولا مُحَدِّثٍ، وقد حَكَى بعضُ العلماء ممن أدركتُهم مثل أبي والشيخ محمد عبد الرحيم بن الشيخ جاد بدر الدين كيف كانوا يدْرُسُون هذه المتون والشروح، وكذلك الشيخ حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية الحالي، كما ذَكَرَ طَرَفًا من هذا الشيخ محمد محيي الدين بن عبد الحميد في مقدمته لشرحه على شرح القطر وشرح الشذور.

والمنهج العام الذي كان مُتَّبَعًا مع مُتُونِ المبتدئين هو “فَكُّ العِبارة وتَصْوِيرُ المسألة” وهذا يعني أن يقرأ الشيخ عبارة الكتاب “الْمَتْن” ويُفَسِّرَ معاني ألفاظها بلا تَوَسُّعٍ، ثم يَضْرِبَ مِثَالًا لكل مسألةٍ وَرَدَتْ في المتن، وهذا يُسَمَّى تصويرَ المسألة.

وفي المرحلة التالية كشروح الألفية يَرْتَقِي الشيخ مع طالبه لطريقةِ “التعليل والتدليل” وهنا يستطيع الطالبُ فهمُ العبارة لكن يُفِيدُه الشيخُ العلةَ التي جعلَتِ الماتِنَ يقول ما قال، والدليل على هذه المسألة من القرآن أو من شواهد الشعر أو أمثال العرب، وتبقى مرحلة واحدة تُدَّخَرُ لما بعد الثانوية الأزهرية كمن سيتخصص في العلوم العربية أو الإسلامية، وهي مرحلة “نقاش المخالف” فيها تعرض الآراء العلمية للمذاهب المخالفة لما قرره صاحب المتن، ويبدأ الشيخ في تَفْنِيدِ حُجَجِهم، والانتصار للمذهب؛ لِيَتَعَلَّم الطالب كيف يكون الخلاف في العلم بِعِلم، وهذه أول مرحلة يُسمح للطالب فيها أن يَعْرض رأيه فيها؛ لأن له بدايات مَلَكَة علمية نابتةٍ.

بعد الثانوية الأزهرية كانت تتنوع الكتب وتتسع لِتَضُمَّ شرحَ ابن يَعِيش على مُفَصَّل الزمخشري، والإيضاح لابن جِنِّي والْجُمَلَ للزَّجَّاج والمقدمة الجزُولِية والكتابَ لسيبويه وغير ذلك.

والنحو الوظيفي يقطعُ الطالبَ عن هذه الكتب جميعًا؛ فيبقَى في ذهنه من نواصب الفعل المضارع: “أن ولن وكي ولام التعليل” ولو قيل له “لام كي” لما عَرَفَ أنها هي، ولا يعرف من الجوازم تقريبا سوى “لَمْ ولَمَّا” وقد ذَكَر ابنُ آجُرُّوم في أول مستوًى نحويٍّ من نواصب المضارع عشرةً، ومن جوازمه ثماني عشرة أداةً! لكن هذا لمن يريد العربية لا لمن يريد درجات الامتحان.

هل حقق النحو الوظيفي هدفَه؟

ومع ذلك فإن دعوى الاختصار والاقتصار على الشائع، لم تُخَرِّجْ سوى إعلاميٍّ يُخطِئ في رفع الفاعل وخَفْضِ المضاف إليه، أو يجعل من “ابقَوْا مَعَنَا” ابقُوا معنا بضم القاف، أو يهرب إلى جُحْر “سَكِّنْ تَسْلَم” فلا هو يَسْلَم، ولا آذان المستمعين، وقد خَرَّجَ النحوُ الوظيفي حاصِلِينَ على دكتوراه النحو من كليات الآداب العَرِيقَة يخطئون في قراءة أبيات ألفية ابن مالكٍ، فضلا عن بعض آيات الكتاب العزيز.

والخلاصة:

إن النحو جزء من هُوِيَّةِ اللغة، واللغة جزءُ فائقُ الخصوصية من هُويَّةِ الأمَّة العربية الإسلامية، ومتون النحو ليست عورة يجب سترها بالخرائط الذهنية وتمرينات القُبَّعَاتِ الستة والذكاءات المتعددة المستوردة من البِنْيَة التربوية الأَعْجَمِية، ومحاولةُ تدريسِه بعيدًا عن التراكم المعرفي لِمُتُونِه وشروحِه محاولةٌ لبناءِ فروعٍ جديدةٍ في الهواء بلا ارتكاز على أصولٍ للشجرة، وقد أثمرت هذه المحاولة في النحو الوظيفي فَشَلًا ذريعًا يدرِكُه كلُّ متابع لِشَأن العربية على ألسنة العرب وفي أقلامهم؛ لِأَنَّ الطَّرِيقَ لَيْسَتْ هُنَالِكَ.

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك