تَعْلِيمُ الْفَلْسَفَةِ – الْجُزْءُ الثَّانِي

26 يوليو , 2017

مِنْ أَيْنَ سُمِّيَ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْمَبَاحِثِ الْإِلَهِيَّةِ فَلَاسِفَةً؟

من أجْلِ فَهْمِ تحديدٍ جَرَتِ العَادَةُ عليه للفصلِ بين العلوم المختلفة نحتاجُ أن نعرفَ أن العالَم الذي ندركُه أو ندرِكُ منه أو ندركُ عَنْه ينقسم إلى شهادَةٍ وغيب، والبحثُ في مجالِ عالَم الغيبِ لا يكون إلا بناءً على ما نعلمُه من عالم الشهادَة، ومصادِرُ المعرفة في عالم الشهادة هذا لها نوعان:

الأول: الحواس الخمسة، وهي معروفة.

الآخر: الْحَدْسُ ويمكن أن يكون إحساسًا نفسيًّا أو شعورًا معنويًّا أو وجودًا قَلْبِيًّا، والمقصود به هنا طريقٌ معرفيٌّ غيرُ الحواس الخمسة، به يَعلم الإنسانُ أنه جائِعٌ أو عطشانُ أو يُحِبُّ فلانةً أو يَمْقُتُ فُلانًا وهكذا.

والعقل –أيًّا كان تعريفه[1]– يَعمل بعد ذلك فيما يصل إليه الإدراكُ من هذين الطريقَيْنِ؛ لِيُكملَ الصورةَ المتخيَّلة لديه عن عالَم الشهادة، كما يستمرُّ عملُه لِيكمِلَ التصوُّر عنده عن عالَم الغيب.

ومجال البحث في الغيبيات هذا فيه موضوعات كثيرة، أعلاها وأهمُّها الإلهيات؛ وهو البحث في: مَن الإله؟ وما صفاتُه؟ وما علاقتُه بالمخلوقات في عالَم الغيب كالملائكة وعالم الشهادة كالإنس والجن والجبال … إلى آخر هذا.

وجرى العرفُ الاصطلاحيُّ أن يسمَّى الباحثُ في الغيبيات –وأهمُّ موضوعٍ فيها الإلهياتُ كما مَرَّ- بالفيلسوف إذا كان طريقه في بحثه يعتمد أكثر ما يعتمد على القُوَّةِ العقلية المحلِّلَة للمعلومات المدركة بالحس، مثلًا لِيستَدِلَّ بوجود العالَم وما فيه من نِظام على وجود صانعه أو خالقِه المهيمِنِ عليه، هذا بشرط أن يكون متحرِّرًا في قانون الدِّينِ في بحثه، سواءٌ أدَّى بحثُه إلى اعتقادِ ما يقرره الدِّين أو لَا، ومِن أشهرِ أمثلتِهم الثلاثي اليوناني: سُقْرَاط وأفلاطون وأَرِسْطُو.

فلو كان طريقُه هو ذاكَ لكنه يبحث على قانونٍ دِينِيٍّ كدين الإسلامِ مثلًا سُمِّيَ “مُتَكَلِّمًا” أي مشتَغِلًا بعلم الكلام بارعًا فيه، سواءٌ كانَ مسلمًا أو نصرانيًّا أو غيرَ ذلك. أما لو كان اعتماده الأكبر على القوة القلبية والإحساسات الوجدانية في عملية البحث في الغيبيات، كأن يصفيَ قلْبَهُ من شوائب المادة؛ لتسمُوَ روحُه ويشعرَ بوجود ربه، فهذا يُسمَّى “إِشْرَاقِيًّا” لو كان يصنع ذلك على غيرِ قانونٍ ديني، أي: بمجاهدات هو يراها تُنَقِّي قلبَه وتُعِينُه على الترقي الرُّوحِي للشعور بعالم الغيب. أما لو كان كذلك لكنه يمارس هذه الرياضات الروحية على قانون دِينيٍّ فيُسَمَّى “صُوفِيًّا” سواءٌ كان مُسْلِمًا أو نصرانيًّا أو غيرَ ذلك.[2]

وبهذا التقسيم تظهر الفروق بين الأربعة (الفيلسوف، والمتكلم، والإشراقي، والصوفي) وهذا الذي ذكرتُه تقريبٌ لِغَير المتخصص، ولْتعلَمْ أيضًا أنما يقدِّمُه الفيلسوفُ من فلسفة والمتكلم من علم الكلام تَدَاخَلَ جدًّا في العصر الحديث حتى صار كثيرٌ من الناس لا يُفرِّقُ بينهما، وصار عدد من أقسام الكليات في الجامعات يجمع بين الاسمين أو يكتفي بأحدهما دالًّا على مجموعهما.

وأُفَضِّلُ ألا أَزُجَّ بمصطلح “عقيدة” أو مصطلح “توحيد” في هذا الأَتُون؛ لما لكلِّ اصطلاح من دلالة مغايِرَةٍ ليس هذا مقامَ بيانِها وبيانِ ما فيها مِن فروقٍ.

من هذه الجهة كان القدماء يرون الفلسفة أمَّ العلوم، أو يرون لها اتصالًا بسائر العلوم كالطبِّ مثلا، وتداخَلَتْ مؤلفاتُ الطبِّ القديمِ مع مقررات الفلسفةِ القديمةِ، والذي يعنينا أن دراسة الفلسفة التي هي تاريخ الفكر في الإلهيات شيءٌ آخر، وليس هو المرادَ بتعليم الفلسفة التي في عنوان المقال، فالمقصود هو درجات من التعميم للكليات والقواعد في كل عِلم، ومهارةٌ عقليةٌ تسمحُ لصاحبها أن يقومَ بعملية التجريد تلك.

 

 

مَوْضِعُ الْفَلْسَفَةِ مِنْ بَرَامِجِ التَّعْلِيمِ الرَّسْمِيِّ

لكَيْ يتعلمَ الإنسانُ المهاراتِ الفلسفيةِ في علْمٍ ما كتحليل العناصر واكتشاف العِلَل وتجريد القواعد والكليات والقياسِ بأنواعه، لا بُدَّ له من أن يكونَ قد سَبَقَ له الإلْمَامُ بكثرةٍ كاثِرَةٍ من جزئيَّاتِ هذا العلم ومسائلِه الفَرْعية؛ فتعليم القوانينِ الفيزيائية المرصودة علميًّا لا بُدَّ أن يَسبِقَ تعليمَ النظرياتِ الفيزيائية الكبرى التي تحاول تفسيرَ كثيرٍ من الظواهر.

نعم قد يتصاحب الأمران، لكن الإتقان التدرُّجِيَّ السليمَ يقضي بمعرفة الجزءِ قبلَ معرفةِ الكلِّ؛ لأن وجودَ الشيءِ في الأعيانِ يختلفُ عن وجودِه في الأذهان؛ فقد يَكونُ وجودُ الشيء في الخارج (أي: خارج الذِّهن) دَفعةً واحدةً، لكنَّ إدراكَ العقلِ له يَمُرُّ بمراحلَ، لِيُدرِكَ وجودَ ذاتٍ، ثم تَقُومُ بهذه الذاتِ الصفات واحدةً تِلْوَ أخرى، والمستَقِرُّ في علم المنطق: أن الكلَّ أكبرُ من الجزْء. والإنسان يبدأ صغيرًا ثم يَغْدُو كبيرًا، وعَكْسُ هذه المنظومة يُوَلِّدُ تشوُّهَاتٍ كثيرةً سيأتي نقاشُها لَاحِقًا إن شاء الله تعالى.

ومعنى ذلك أن التدريس ينبغي أن ينْصَبَّ على إتقانِ الطالبِ للفروعِ والجزئيَّاتِ أوَّلًا، بشرط الإشارة –ولو مِن بعيدٍ- إلى الأفكار الكبيرة والكليات، ثم ينتقلُ التدريس في مراحلَ متقدمَةٍ إلى الكليات والأفكارِ الكبيرةِ بانيًا على شيئين:

الأول: إتقان الطالب للفروع والجزئيات، وهو مُنْجَزٌ معرفيٌّ أساسٌ في العملية التعليمية.

والآخر: تشوُّق الطالب لمعرفة الكليات التي زَارَهَا أو أَلَمَّ بها أو حُدِّثَ عنها مِن بعيد قَبْل ذلك، وهو مَكْمَنٌ وِجدانيٌّ أساسٌ في العملية التعليمية أيضًا.

ومن هذا المنظور كانت أعلى الدرجات العلمية درجة الدكتوراه، أي: درجة الفلسفة في العلوم أو الفلسفة في الآداب، وهذا وَفقا للمواضعات الأكاديمية الأجنبية التي قَلَّدَتْها الأكاديميات العربية كعادتها في التقليد.

 

تِلْكَ إِذَنْ قِسْمَةٌ ضِيزَى:

وفي محاولة لتطبيق هذا التصور على مؤسسة علمية عريقة من مؤسسات الحضارة العربية الإسلامية هي الأزهر الشريف عُودلت درجةُ العالِمية التي كان يمنحها المشايخ العلماءُ بالجامع بدرجة الدكتوراه التي يمنحها الدكاترة المتفلسفون في الجامعة، وليس الذكر كالأنثى، ولو فَقِهَ القوم لعلموا أنه جَنَفٌ ما بعدَه جَنَفٌ، وحَيْفٌ ليس يفوقُه حَيْفٌ؛ فهذِي ليسَتْ عَدْلًا لتلك، ولا كفُؤًا لها، وما كان أَصَحَّ أَنْ تَظَلَّ العالِميةُ عالِميةً! والدكتوراةُ دكتوراةً!

 

العالِمِيَّة لَيْسَتْ دُكتوراةً:

أخبرني سَيِّدِي الشَّيخُ محمد عبد الرحيم بنُ الشيخِ جاد بَدْر الدين أنه حين أنجزَ دراسَتَه في كلية اللغة العربية بجامعة الأزهر قال له أبوه: “أصبَحتَ الآنَ ثُلُثَ أزهريٍّ؛ لأن الأزهر كان على أيامنا جامعًا بين اللغة العربية وأصول الدين والشريعة، وكان الطالب يدرُسُ كلَّ ذلك ولا يُجَازُ إلا إذا أتْقَنَهُ كُلَّه”. فالتحق بعدها شيخي بكلية أصولِ الدين؛ ليستكملَ أزهريَّته!

 

وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ:

سبحان الله! هذا على عهد شيخي وأبي مثلًا، أما على عهدنا فقد خَلَقَ الله خلقًا جديدًا غَريبًا اسمه كلية الدعوة الإسلامية وكلية الإعلام وكليات أخرى انقسمَتْ إليها جامعةُ الأزهر، فتُرَى حاملُ دكتوراه الأَزْهر المعاصرةِ الذي لم يُحَصِّلْ عالِميةَ الأزهرِ الحقيقية، ولا هو حصل على الدكتوراة الغربية بمفهومها الأكاديمي مِن جامعةٍ مَدَنِيَّةٍ لا مِن جامعةٍ دِينيةٍ، تُرَى أَنَعُدُّه خُمُسَ أزهريٍّ؟! أو عُشُرَ أزهريٍّ؟! أمَّاذا؟! نَبِّؤُونِي بعلمٍ إن كنتم صادقين، وإنا لله وإنا إليه راجعون!

هذا من حيثُ كَمُّ المحصَّل لصاحبِ العالِمية، أما من حيثُ كيفُ المحصَّل، وما يقوم بنفسه من مَلَكَات، وما يجمعُه بعقله وروحِه وجوارحِه من معارفَ ومَوَاجِيدَ ورياضَاتٍ فشيءٌ آخرُ، أسأل الله أن يوفِّقَنَا للكلام عليه بحوْلِه وقُوَّتِه.

ولنتركِ حديث الأزهر الآن؛ لنعودَ إلى تدريسِ الفلسفة في واقع تعليمنا المعاصر، ونقفَ مع انحرافين كبيرين فيه، وذا في الجزء القادم إن شاء الله تعالى.

 

[1] وقد اختلف في هذا كثير من الناس، ورجح بعضهم تعريف الإمام الغزالي له، ولا أرى الخوض فيه ينفع هنا.

[2] فلا تتعجب إذن لو وجدت في كلام المستشرقين كثيرا ذكر الصوفية المسيحية مقترنة بالصوفية الإسلامية، وإن كان كثير منهم يُمَخْرِق بذلك ليستُر ما يرمي إليه من تذويب الفروق الحاسمة بين الإسلام بتصوفه والنصرانية بتصوفها.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك