تَعْلِيمُ الْفَلْسَفَةِ – الْجُزْءُ الْأَوَّلُ

20 يوليو , 2017

حُبُّ الكَمَالِ وَالْإِكْمَالِ

هل يقدِر الإنسانُ أن يتصورَ أجزاءً من صورةٍ دون أن يتخيلَ لها صورةً كليةً؟!

وهل يُجدِي في تصوُّرِ شيءٍ الاقتصارُ على الجزئياتِ دون الكلياتِ؟! أو العكسُ؟!

يميلُ الإنسان بِجِبِلَّتِهِ إلى إكمالِ النَّقْص، كأنه دومًا يَتُوقُ إلى الكمال، والكمالُ البشريُّ متأثِّرٌ بِعَوادِي الزمان وتَغَيُّرِ الْحَدَثَانِ، فلا يحصلُ إلا والنقصُ مَعَه، فالرَّغبةُ الإنسانِيَّةُ متجددةٌ في تحصيلِهِ، يُشير إلى ذلك حديثُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم: “مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بُنْيَانًا فَأَحْسَنَهُ وَأَجْمَلَهُ، إِلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهُ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ، وَيتَعَجَّبُونَ لَهُ، وَيَقُولُونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ، قَالَ: فَأَنَا تِلْكَ اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ”[1].

فالمرْءُ مُولَعٌ بالكمال إذَنْ، ولو فِيما لا يَمْلِكُه، فهؤلاء الناس يتعجَّبُونَ من فِعْل رَجُلٍ آخرَ غيرِهم بَنَى بُنْيانًا؛ فمِنْ أينَ يأتيهم العَجَبُ مِن فِعل رَجلٍ في مِلْكِهِ؟ إلا إذا كانوا يميلونَ بِطَبْعِهم إلى الكمال، فأحَبُّوا أن يكتملَ البُنيان، ولو لم يكن لَهُم فيه سُوَى النظرِ إليه، وهذا يُفسِّر جانبًا من عبادَةِ الناسِ الناقصين دائمًا لله تعالى ذِي الكَمَال دائمًا؛ لِيَرْكَنُوا إلى رُكْنِهِ الْأَشَدِّ.

 

فهل تعطِيهِ مصادِرُ معرفَتِهِ إدراكًا كاملًا؟

إن مصادرَ المعرفة البشرية محصورةٌ بين حَدَّيْنِ: كَمٍّ وكَيْفٍ، أما الكَمُّ فجميعُ المصادرِ ليستْ مُطْلَقَةً في تحصيل المعرفة؛ إذ يَطْوِي عنها بُعْد الزمان والمكانِ الكثيرَ، هذا في عالم الشهادة، نَاهِيكَ عن عالم الغيب! والْمَرْءُ محتاجٌ لإدراكِ العالَمَيْنِ، الشهادة والغيب.

وأما الكيفُ فكل إنسان مَهْمَا اتسعَتْ زاويةُ رؤيتِهِ فهي زاوية، وله جِهةُ نَظَر، وله مَيْلٌ ونُزُوعٌ، وكلُّ صَاحِبِ زاويةٍ محجوبٌ -لا شَكَّ- عن رؤية الشيء الذي يَرَاهُ مِن غَيْر زاويتِه، فضلًا عن الشيء الذي لا يراهُ لابتعادِه عن مَرْمَى زاويتِه، ولو استفرغ الوسع في رؤيةِ شيءٍ ما مِن كلِّ زاويةٍ تُمْكِنُهُ؛ فإن إدراكَه يَظَلُّ مُفْتقرًا إلى كلِّ زاويةٍ أخرى تُطِلُّ على ذلك الشيء، وَمِن أهمِّها في كثيرٍ من الأَحَايِين الشيءُ مِنْ حيثُ هُو، لا مِنْ حيثُ نظرُ غيرِه إليه، وهذه الزاويةُ مَنِيعَةٌ جِدًّا.

وسواءٌ أدْرَكَ ذلكم الافتقار أو لم يُدركْ، فاغتر بما وَصَلَ إليه من المعرفة، ونفْسُه التي كانت تدعوه للاستكشاف والمعرفة بالغريزة[2] ابتداءً، هي التي سوف تدعوه إلى الراحة بَعد التَّعَب، والْجَمَام بَعد الْجَهْد؛ فلا يَجِدُ –حِينَئِذٍ- طاقةً تكفي لإعادة النظرِ واستفراغِ الْجُهْد في إحصاء ما لم يُحْصِ بِقَدْرِ مَا سَيَجِدُ بنَشْوَةِ الظَّفَر طاقةً لِنشْرِ ما وَصَلَ إليه، وحَمْلِ الناس عليه، ودليلُه أنْ قَدْ رَأَتْ عينُه، وسمعَتْ أُذُنُه، ولَمَسَتْ يدُه، وفكَّر عقلُه؛ فَهُو -لا مَحَالةَ- واصلٌ إلى حالةِ الاغترارِ تلك، بنوعِ حقٍّ أو نوعِ باطِلٍ، وهُنا سيُكْمِلُ مَا يَجْهَلُه بامتدادٍ ظَنِّيٍّ مِمَّا يَعْلَمُه؛ لأنه مجبولٌ على حبُّ الإكمال، ولربما قَطَع بأنه يقينٌ لا ظَنٌّ.

في هذا الظَّنِّ قال الله تعالى: “إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ، حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا، وَازَّيَّنَتْ، وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا، أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا؛ فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا، كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ، كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”[3].

 

 

بَيْنَ الْفَلْسَفَةِ وَمَا سُمِّيَ بِالْعِلْمِ خَطَأً

بناءً على ما سبق فمصادر المعرفة محدودة بين كَمٍّ وكيفٍ، كلاهما منقوصٌ لا يبلغُ الكمال، مع نُزُوعِ الإنسان دومًا للكمال، وسعيِه الدائبِ في تحصيلِه، وهنا يأتينا السؤال:

 

ماذا تعني محدودية مصادر المعرفة على هذا النحو؟

إذا تأملنا هذه المحدوديةَ مع رغبةِ الإنسان في الإكمال وجدْنَا الإنسانَ في حركته العقليةِ منتقلًا بين المحسوساتِ والمتخيَّلات[4]،  يحاول تارةَ جمع معلومات من المحسوسات على أدَقِّ ما يستطيع بالتجارب والاستقصاء والإحصاء والأرقام[5]، ويحاول تارةً أخرى إعادةَ تخيُّل المشهدِ الكُلِّيِّ للظاهرةِ أو الحياةِ التي فيها هذه الأرقام؛ لِيستطيعَ تصوُّرَها وَفقًا للامتدادات الجديدة الافتراضية التي أثمرتْها بحوثُه الأحدَث؛ ويكون سلوكُه دومًا مبنيًّا على ذلكم التصور الأحدث؛ إذ لَا عِبْرَةَ بِالظَّنِّ البَيِّنِ خَطَؤُهُ[6].

والآنَ يمكنُنا التمييزُ بين هاتين التارتَيْنِ أو هاتين الحركتين للإنسان مرةً بين المحسوسات، ومرةً بين المتخيَّلات، وهنا سنجد الأكاديميةَ الغربية تُسَمِّي هذا الحركةَ بين الأرقام والإحصاءات جمعًا لها وتأكُّدًا من سلامتها وصدْقِها واطِّرادِها وتمحيصِها وتدقيقِها؛ تُسَمِّي هذه الحركةَ “Science” وتترجم خطأً في العربية إلى “عِلْم” وسنجدُهم يُسَمُّونَ الحركة بين هذه البيانات سالفةِ الذِّكرِ لتحصيل تركيبٍ منها في إطارٍ أَعَمَّ أو أَعْلَى –على اختلاف مستويات هذا التَّجْرِيد- تُسمِّي هذه الحركةَ ” Philosophy” وتقابلها في العربية تمام المقابلة كلمة “فَلْسَفَة”.

وعلينا الآنَ أن نَتَذَكَّر أن هذه الكلمةَ أيضًا وافدةٌ على ثقافتنا من أصول أجنبية قديمةٍ، لها اتصال بحب الحكمة، وجِدَال السُّفُسْطَائِيِّينَ، ومواجهةِ الإِرْجَافِ العَقْلِيِّ الذي يحلو للمحامين أن يمارسوه كثيرًا من أَثِينا اليونانية إلى يومِ الناس هذا، إلا مَن رَحِمَ رَبِّي.

وعلينا أيضًا أن نتذكَّر أن الفلسفةَ هذه لا تَنْفَكُّ عن كُلِّ عقْلٍ، لكن يصيبُ منها كلُّ إنسان بحسَب رُقِيِّه في ممارسة التجريد، فمن الناس من يَصعُب عليه تجريدُ الْمُشخَّصَات من صفاتها الْمُشَخِّصَة، لِيستبقيَ الصفاتِ الكليةِ التي تجمعُها بغيرها، ومنهم من تَمَرَّس بذلك، وتمهَّر حتى صار التجريدُ له ملكةً، وكلُّ عالِم لا بُدَّ له من تجريدٍ؛ ليتمكنَ من تصوِّر صورةٍ أكبرَ، يسكنُها ما مضى من المعلومات، وتتيح خطوطها الْمُتَمِدِّدَةُ افتراضيًّا مَسِيرَات[7] بحث جديدة في صورة تنبؤات للنظرية مثلًا، يحدوها غايةُ الباحثِ وتقيِّدُها محدودية القُدْرة المتاحة.

استطراد نفساني مهم:

كثيرٌ من بحوث النفسانيين الحديثة قامت لكشفِ الزيف الذي يقع فيه الإنسان، والخديعة التي يخدع بها نفسه وأحيانًا الآخرين حينما يُكمل الصورةَ من عند نفسِه، معتمدًا على خلفيات عامَّةٍ مستقِرَّةٍ في ذهنه من غير أن يَبنيَ هذا الإكمال على بيانات دقيقة أو غير دقيقة، ومعنى هذا بلسانهم: كشفُ الخطإِ المنهجيِّ في بناء الفلسفة –ولو كانت فلسفةً شخصيةً تمامًا- على العلم، أو مقارنة الخلل الحاصل في طريقة التفكير الفلسفية قياسًا بطريقة التفكير العلمية، وبلسان العرب نقول: خطأُ تنزيل الظَّنِّ –ولو كان راجحًا- منزِلَةَ اليقين.[8]

 

فإذا كان الأمر كذلك، فمِن أين سُمِّي المشتغلون بالمباحث الإلهية فلاسفة؟ هذا ما يكون في الجزء القادم بحول الله.

 

 

[1] أخرجه الإمام أحمد في مسنده من طريق أبي هريرة عليه الرضوان، وأخرجه البخاري ومسلم، وفي بعض روايته: “فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ وَيُعْجِبُهُمُ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ: أَلَّا وَضَعْتَ هَاهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُكَ“.

[2] يسميها بعض الناس: حب الاستطلاع.

[3] آية برقْم 24 بسورة يونس.

[4] وللمناطقة اصطلاحات تخصهم في ذلك، كتسميتهم حركة النفْس في المعقولات فكرا، وتسميتهم حركة النفْس في المحسوسات تخييلا، انظر:

إيضاح المبهم في معاني السُّلَّم للشيخ أحمد الدمنهوري (المتوفى 1192هـ) وهو شرح على نظم تعليمي ابتدائي في علم المنطق اسمه: السُّلَّم المُنَوْرَق للشيخ عبد الرحمن الأخضري (المتوفى 983هـ) طبعة مصطفى البابي الحلبي، 1367هـ-1984م، ص2.

[فائدة: لشيخنا الدكتور أشرف مكاوي شرح في الجامع الأزهر عليه، وهو مسجل معروض على اليوتيوب.]

[5] الأرقام جمع رقْم، وهو بسكون القاف لا بفتحها.

[6] وهذه قاعدة شرعية لها تطبيقات فقهية كثيرة، فلتراجع في كتب الفقه الإسلامي، أو استمتع بمشاهدة هذه السلسلة للدكتور أشرف المكاوي:

[7] يخطئ بعض الناس قائلا: مَسَار ومَطَار، والصحيح: مَسِير ومَطِير.

[8] شاهد في ذلك وشِبْهِهِ تجربة مثيرة فيما رصده القوم أعقاب حادثة الحادي عشر من سبتمبر:

https://www.scientificamerican.com/article/911-memory-accuracy/

http://911memory.nyu.edu/abstracts/talarico_rubin.pdf

http://www.apa.org/monitor/2011/09/memories.aspx

https://www.newscientist.com/article/dn20873-manhattan-memory-project-how-911-changed-our-brains/

http://www.livescience.com/15914-flashbulb-memory-september-11.html

فإن لم تكن تحسن الإنجليزية فقد تسعك مشاهدة هذا في الإلماع إلى طرف من المطلوب:

 

https://www.youtube.com/watch?v=08AF2au-Y0w

 



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك