جنون الترجمة للعربية: فتنة نفسية ثقافية لجماهير الناشئة

1 ديسمبر , 2017

على مدى سنوات عملي في مجال توجيه بناء الذات واستقبال استشارات الشباب، خاصة فئتا الثانوية والجامعة، لمست من بين العوامل مشتركة الأثر والحضور في همومهم النفسية واستشكالاتهم الفكرية، عامل التأثر بحضور الثقافة الأجنبية في تصوراتهم عن نفوسهم وعن الوجود، وتخيلاتهم وتطلعاتهم لأجواء ذلك الآخر. وهذا التأثر أشد ما يكون في عصر اليوم، بسبب جنون الترجمة وسعار النقل للعربية من المحترفين والهواة على السواء. وإذا كان أثر ترجمة المرئيات كالأفلام والمسلسلات مما كثرت التوعية فيه، فالتنبه لأثر منصات المحتوى الثقافي العربي هو ما أبتغي إلقاء الضوء عليه في السطور التالية، خاصة لمن يتخذها بوابات تثقيف رئيسية من جماهير الطلبة الشباب.

فبقدر ما أحدثت منصات التدوين والمواقع طفرة في المحتوى العربي على الويب، وحققت نصف هدفها المعلن بـ “إثراء المحتوى العربي على النت” من حيث إيجاده، أجدها شطحت بالإثراء للغثاء، وانقلبت في كثير منها من بوابات للتثقيف الجاد لبؤر يقينية الإفساد.

 

فصار الهم مع الوقت تكديسها بأكبر كم وأضخم عناوين توفر لها ميزات تسويقية وضغطات إعجابية وانتشارات جماهيرية، وصارت معايير المقالات المرسلة لكثير من المنصات – عن خبرة مباشرة – ليس ثراء المحتوى من حيث هو محتوى ومن حيث آثاره الفكرية أو التوعوية، بل ثراءه من حيث استقطابه الجماهيري وعدد الضغطات والـ SEO، ومعلوم نوعية ما يطلبه الجمهور.

بالتالي انقلبت تلك البوابات الثقافية لمداخل تشوهات فكرية ونفسية في كثير منها. فحين تدخل على تطبيقاتها تجد صورًا لافتة وعناوين براقة في السياسة والاجتماع والعلاقات والتطوير الذاتي، يضاف إليها مؤخرًا إثر موضة “الجرأة في الطرح” تصدّر عناوين تحمل كلمة “الجنس” ومشتقاتها الحمراء، وصور الفتيات الأجنبيات والمخنثين وعصبات الهيبز والإيمو والفامباير، واستعراض جامح وجائح لمختلف ما ترمينا به الدراما الأجنبية بكل الأطياف وكل المواضيع وكل النكهات .. صارت الساحة مستباحة بإطلاق، ولم تثمر مع ذلك ثقافة أو وعيًا أو تفتحًا فكريًا على الحقيقة إن لم يكن على الإطلاق.

لماذا؟ لأن الاتكاء الشديد مجرد النقل الاكتفاء بالترجمة دون طرح ناقد في المقابل، والعرض الأرعن لكل ما يعرض عندهم لمجرد العرض عندنا، أسفر عن موجة عاتية من القضايا والمفاهيم والإشكالات أعجمية المنشأ والهوية والثقافة وإن عرّبناها لغة وحروفًا، بل الأدهى أنها لا تجيب عندنا حاجة جملة، ولا تعبر عنا تفصيلًا. وقد أمضيت مرة 20 دقيقة كاملة أتصفح فيها تطبيقًا لإحدى تلك المنصّات العربية المشهورة جدًا، ولم أخرج منها بأي معلومة ولا فائدة ، بل وأفسدت مزاجي ذلك اليوم لسواد ما عمرت به من قضايا ومصائب ليست منا ولسنا منها في شيء!

واجهة التطبيق كلها عناوين في الجنس والسياسة والمرأة والمثلية ووساوس المراهقين، وكلما فتحت شيئًا وجدته عرضًا لما عندهم أو ترجمة عنهم، دون أي عناء من كاتب المقال أو المدوّن في معارضة الطرح بفكر ناقد أو ثقافة ندّية. أنا شخصيًا فسد مزاجي بعد ثلث الساعة ذاك لأنني امتلأت بغموم وهموم ومشاكل تعرضها تلك المقالات، لكنها كلها وليدة بيئتهم ونهج حياتهم وما اختاروا لأنفسهم، فلماذا نعيد تدويره وتصديره لنا كأن ما عندنا لا يكفينا، أو كأننا حللناه وتبقى أن نتثقف عن حال غيرنا!

وإذن ما نوع النفسية التي يمكن أن تتشكل بمجابهة مثل هذه الواجهات يوميًا، خاصة حين لا يكون لها أساس راسخ وتمكن من هويتها (وهو حال أغلب طلبة المرحلتين الثانوية والجماعية مع الأسف)، وبالتالي تصطبغ بعد طول تشرب لا واعٍ بألوان من هويات الآخرين وأذواقهم وأفهامهم وحججهم وتصوراتهم للوجود ومعالجة قضاياه. ولا أحصي كمّ الاستشارات لمشتكين من وساوس عقدية أو عقد نفسية أو خواطر تخيلية، كانت شرارتها نقولات مترجمة عن جهة ما أشعلت لديهم تلك الخواطر والوساس والشكوك، دون ظهير موازٍ من ثقافتنا يدحض أو يفند أو يُفهِّم.

 

وليس القصد الانعزال عما حولنا من ثقافات، ولا ذلك حتى في الإمكان إذ هو مما لم يأذن به الله فيما جرت به سنة الكون والاجتماع. وإنما الشأن في قناعات تزرع لا أجهزة تنزع.

 

الشأن في كيفية الاستقبال عن الآخر وميزان الأخذ عنه ومرجعية تقييم ما عنده. والقصد أن يتم ترشيد جنون الترجمة والمباهاة بالمترجمات ومكاثرة النقولات لمجرد الترجمة والنقل، والتنافس عليها كأن الثقافات الأعجمية هي منبع الحكمة الذي يكفينا شرفًا الغرف منه على حاله!

وعلى مدى 7 سنوات في العمل على التوجيه الطلابي واستشارات بناء الشخصية، أقول بثقة إننا نعاني تقصيرًا رهيبًا في الالتفات للصحة النفسية والفكرية لأجيال الشباب وتعهدها، كما نتعهدهم بالتطعيم والمتابعة البدنية على مدى سنوات في المدارس، أو نتعهدهم بوجبات الطعام في المنزل. وكم من آفة في البدن أمكن التغلب عليها بإشراق الروح وصِحَّة الفكر، وكم من انطماس فيهما كان سبب تداعي البدن!



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك