جيل فاشل…!

9 نوفمبر , 2014

أتذكر عندما كنت طالبًا في المرحلة الثانوية، كنت حينها كغيري ممن هم في سني أتطلع لاستكشف و أتعلم معارف جديدة كل يوم، كنت أنتظر فقط من يشعل تلك الحماسة التي بداخلي،  لأعلن بداية فجر جديد لآمالي و طموحاتي، لكن هيهات، فأول ما دخل علينا الأساتذة و هم يسردون مآثرهم و بطولاتهم، و كيف كانوا يدرُسون على ضوء الشموع و تحدوا كل الظروف القاهرة، إلى غير ذلك من القصص البطولية التي لا تنتهي…ثم ما يلبثون يحملوننا مسؤولية الفشل و تردي الأوضاع التعليمية، و يصفوننا بأشنع الأوصاف، كنا نبحث فقط عن كلمة واحدة محفزة، كلمة شكر و ثناء ترفع من روحنا المعنوية و لو قليلًا و تشجعنا على البذل و العطاء، لكنهم كانوا يمارسون علينا قهرًا من كل الأصناف، فهم لا يعرفون مبدأ الفروق الفردية و أن هناك اختلافات بين العقول في درجة الفهم و الاستيعاب، و كأنهم نسوا أو تناسوا أن هناك  فنونًا في المعاملة و كلها تساهم في بناء شخصية المتعلم، و التي تهيئه لأداء أدواره الاجتماعية في المستقبل، فهو يرى في أستاذه القدوة و المثال الناجح الذي يقلده في كل تصرفاته، فحتى و لو أخطأ أحد التلاميذ فيجب أن يكون الأستاذ حكيمًا في تعامله، و أن يؤدبه بطريقة لائقة تنم عن خبرة و دهاء حسب ما يقتضيه الموقف، كانت جل العقوبات المسلطة تولد العدوانية و تغرس الحقد في نفوس المتعلمين، و من أهمها الصراخ في وجه التلميذ و هو ما يفسر غالبًا بضعف تحكم الأستاذ في الوضعية، إلى جانب مضايقة التلميذ بالتأنيب المتكرر، مما قد يثير غيضه و امتعاض زملائه، و إلزامه مرغمًا على تقديم اعتذاراته مما يضطره إلى الكذب أو النفاق،     و توجيه ملاحظات ساخرة أو تهكمية تجعله مهزلة في أعين زملائه، هذا ناهيك عن تسليط العقوبات الجماعية و التي تؤلب التلاميذ و توحدهم ضد الأستاذ و تتسبب في زرع مواقف فاسدة، فضلًا عن ضربه في تحد صارخ  للقانون، فيما يتم اللجوء أحيانًا أخرى إلى الطرد مما يؤدي إلى حرمان التلميذ من وقت العمل في القسم و يؤدي إلى تأخر يصعب استدراكه.
و أخطر إجراء عقابي هو تهديد التلميذ بتقليص العلامات، و كأنهم يقولون له إن أهم شيء هو النقطة و لا شيء غيرها لأن النظام المدرسي دائمًا ما يعطي الأهمية للنقاط المدرسية أكثر مما يقدر الطلاب على التعلم، مما يجعل عقل التلميذ يركز على أخذ النقطة بأية طريقة كانت، دون التركيز على التعلم و الفائدة، أليس في هذا دعوة صريحة إلى الغش؟؟؟
للأسف هناك بعض أشباه المعلمين يساعدون التلاميذ على الغش في الامتحانات المصيرية  التي تنقل التلميذ من طور إلى آخر، بل وصل الأمر بالبعض منهم إلى المتاجرة بأسئلة الامتحان، هذا ناهيك عن التجاوزات التي تحدث داخل الحجرات، و التي يتواطأ فيها هؤلاء “المربون” على تمرير رسالة إلى عقول الطلبة مفادها تعلم كيف تحقق أهدافك و لو بأساليب قذرة و دنيئة، ألا يدرك أشباه المعلمين هؤلاء أنهم يساهمون في صناعة جيل من اللصوص و المجرمين، ألم يفكروا يومًا أن هذا الطالب الذي ساعدته على الغش سيكون مسؤولاً عن مصير أشخاص يومًا ما، و ربما سيتقلد مناصب سامية في المستقبل، هل في نظرهم سيرعى الحرمات و يؤدي الأمانات؟؟؟
إذاً المشكلة تكمن في منهجية التعليم بحد ذاتها أي كيف نسترعي إنتباه الطالب حول أهمية العلوم و المعارف التي يتلقاها، و ما العلامات التي يحصلها إلا أحكام  تقيم أداءه طوال الموسم الدراسي، إن الهدف الأسمى من التعليم هو إعداد جيل صالح و جاهز بإمكانه التكيف مع متغيرات العصر الذي يعيش فيه، و لا يتأتى له ذلك إلا بالاستفادة قدر الإمكان من مختلف الخبرات التعليمية التي تعينه على مواجهة المواقف الحياتية بتصرفات واعية، و على رأسها المعاملة، “إن الدروس التي يتلقاها التلاميذ في فن المعاملة تضل راسخة لوقت طويل في أذهانهم مقارنة بما يتلقونه من مواد و مكتسبات و التي غالبًا ما يكون مصيرها النسيان السريع”.
فعلى المربي الحكيم أن يختار الأساليب و الطرق الناجعة لكي يوصل المعلومات بطريقة سلسة بعيدًا عن التهديد و الوعيد، كما عليه أيضاً أن يختار كلماته بعناية فائقة، لأنه يتعامل مع مرحلة حساسة جدًا، فالتلميذ في النهاية بشر، له مشاعر و أحاسيس فهو يؤثر و يتأثر حتى و لو كان لا يشعر بذلك، أنا لا أقصد هنا الدفاع عن التلميذ و توجيه اللوم للأستاذ، لكن الأستاذ يتحمل أمانة عظيمة و عليه أن يؤدي دوره على أكمل وجه، و أن يوصل رسالته بأخلاقه و سلوكه قبل علمه فالتربية تسبق التعليم و تتقدم عليه، لأن التلميذ يأخذ أدب الأستاذ قبل علمه، فالأستاذ في النهاية هو القادر على قيادة الجيل نحو النجاح بتحليه بجميل الخصال و رفيع القيم.
لا يوجد شيء اسمه “جيل فاشل “بل يوجد شيء اسمه “منهجية تعليم فاشلة”.
أنا على يقين بأن أصعب علوم الأرض يمكن تبسيطها و تقسيمها لتصبح علمًا بسيطًا و جذابًا و سهل الفهم و التعامل، فلنسعى فقط لكي نغير من هذا الواقع المؤلم و لو قليلًا.
معلم ومهتم بأمور التعليم
مقال عبد الرؤوف.jpg


شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

التعليقات 9 تعليقات

Avatar
هنادي نويكس منذ شهرين

مقااالة رائعة بارك الله فيك أستاذ
أعجبتي كثيرا الموضوع الذي عالجته خاصة الجزء الذي تحدثت فيه عن موضوع النقاط التي أصبحت كل مانسعى إليه اليوم فقد ألغت سعينا نحو اكتساب المعارف الجديدة وتوسيع ثقافاتنا وهذا اكله راجع الى المنهاج المتبع اليوم الذي يمكن القول عنه أنه ميت جعل منا فقط آذان صاغية تتحول إلى أقراص مدمجة إن صح القول خاصة أيام اللامتحانات

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ 4 سنوات

الله يبارك فيك، شكرا على مرورك الراقي

Avatar
دعاء ورده منذ 4 سنوات

نحن في وقت لم نستطع تركيب الحياة فيه فكل منا له ذات نفسية تحرره عن غير فوجب على التلميذ اولا واخيرا احترام وتقدير الاستاذ او بالاحريى احترام الوقت فالامس لن يعود ابدا لكن ينتضرنا الغد فلنكن متيقنين بلوقت وعلى الاستاذ ان يقوم باكمل واجبه مع عمله لان الله تعالى اولى من كل شى قيل ان ””””’الوقت كاسيف ان لم تقطعه قطعك ””””’اعزائي فل نواصل هدفنا باي ثمن كان شكر استاذ ولله ونعم فيك رائع يا نبع وسرور الحياة حياك الله ورعاك من كل شر ان شاء الله بوركت

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ 5 سنوات

أهلا بك وليد، طبعا الأستاذة تهمها مصلحتك لذا طلبت منك إكمال الرسوم الناقصة لأن هذا سينعكس على تحصيلك الدراسي فيما بعد، ومن باب اولى كان عليك أن تقوم بواجبك في الأيام العادية، حتى لا تضطر إلى القيام بها والوقت لا يسمح بذلك، أما تهديدها بالعلامات فقد تكلمت عنه فكل أستاذ لديه طريقته في العقاب، أنت تأتي لكي تزيد من حصيلتك المعرفية ولكي تكتسب خبرات تعينك في حياتك والعلامات ليست كل شئ، حاول الاستدراك في المواد الاخرى…موفق بإذن الله

عبد الرؤوف جناوي
عبد الرؤوف جناوي منذ 5 سنوات

شكرا لمرورك الجميل أخي ورفيق دربي سفيان….حفظك الله ورعاك يا طيب

Avatar
Walid Chali منذ 5 سنوات

” أخطر إجراء عقابي هو تهديد التلميذ بتقليص العلامات ”
– هذه النقطة بالضبط قد جرت لي في يوم مع أستاذة العلوم حول بعض الرسومات ، قالت لي بأن أرسم الرسومات الناقصة في الكراس قلت لها لابأس أمهلتني يومين فقلت لها ليس لدي وقت بسب البرنامج الدراسي آخر ساعة على 5 مساءا و ليست هي فقط المادة التي أدرسها فهناك الكثير من المواد و التمارين و هدّدتني بإنقاص النقاط و بسبب هذا قلت لها لن أرسم و أفعلي ماتريدين و سأفعل ما أريد …
فهل أنا مخطئ في كلامي معها أو هي المخطئة ؟؟

Avatar
soufiane makhlouf منذ 5 سنوات

جميل جدا والله تمتعت برقي الكلمات وأنت تختارها وتنسجها لتعطي معنى واضح ومفهوم واصل ننتظر المزيد….

عبد الرؤوف جناوى
عبد الرؤوف جناوى منذ 5 سنوات

وفيك بارك الرحمان بني الفاضل.أسأل الله تعالى لك التوفيق والسداد وان ينور طريقك وان يفتح عليك من بركات الأرض والسماء…اللهم آمين

العايب نضال
العايب نضال منذ 5 سنوات

حفظك الله ورعاك .جزاك الله خيرا .لطالما كنت لنا سندا كنت أبا لنا واحيانا أخا لنا بارك الله فيك…

أضف تعليقك