حُمَّى الِاخْتَصَارِ فِي الْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ -الجزء الرابع- الفقه الإسلامي

10 أبريل , 2017

إنَّ تَعَلُّمَ معاني الكلمات التي في القرآن لا يُورِثُ إِيمانًا، ولا يُورِثُ فَهْمًا لِمُرَادِ الله، بل يورِثُ تَرْجَمَةً شَائِهَةً تحاولُ تقريبَ المعنى الإلهي العالي، وحَشْرَه باعتساف وغباوَة في صندوق ضيِّقٍ وَضِيعٍ، هو صندوق الثقافة الحالية التي يَفْهَمُهَا الناس، ويفكرون بها، وهي أبْعَدُ ما تكون عن الثقافة العربية الحقة –التي هي الثقافةُ الجاهِلِيَّةُ الرَّفِيعَة- التي نَزَل عليها القرآن وخاطبها الوحيُ على سَنَنِها هي ابتداءً، ثم خاطب العالَم مِن بَطْن فهمها هي للوحي لا فهم باقي العالَم للوحي.

[انظر في ذلك لِزَامًا ما قاله: الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: الرسالة، بتحقيق وشرح: أبي الأشبال أحمد محمد شاكر، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة 1357هـ-1983م، ص45-53، وتأمل قول الشافعي: فإنما خاطب الله بكتابه العرب بلسانها…، في الفقرة173]

الله الصَّمَد:

ومن هنا لم تكن المعاجم المحترمة لتقول لك بهذه السطحية: الصَّمَد هو السَّيد الْمُطاع، ثم تسْكُتْ، بل كانت تستدعي السياقات الشعرية العربية التي بها يستبين العربيُّ الجديدُ بها الْمَفهومَ العَميق للقضيةِ المبحوثِ فيها؛ لأن اللغة ليستْ ألفاظًا فقط، فهذا هو ابنُ منظورٍ الأنصاريُّ يكتب في مادة (ص.م.د) في كتابه لسان العرب: “والصَّمَد، بِالتَّحْرِيكِ [أي: بتحريك الميم بالفتحة](1) : السَّيِّدُ الْمُطاع الَّذِي لَا يُقْضى دُونَهُ أَمر، وَقِيلَ: الَّذِي يُصْمَدُ إِليه فِي الْحَوَائِجِ أَي يُقْصَدُ؛ قَالَ:

أَلا بَكَّرَ النَّاعِي بِــخَـــيْــــرَيْ بَــــنِي أَسَدْ ***بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ، وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ

وَيُرْوَى بِخَيْرِ بَنِي أَسَد”
ولو قُدِّر الله لعالم أن يُعَلِّقَ حاشيةً معاصرة على اللسان لَذَكَر أن هذا البيت في رثاء رجلين عظيمين من قبيلة عربية، هي بنو أَسَدٍ، والرجلان هما: عَمْرُو بن مسعود، وخالدُ بن نَضْلَة(2)؛ فذُكِرَ الأولُ باسمه وكُنِّيَ عن الثاني بصفته، والشاهد الذي قصده ابن منظور من البيت في قوله: “وبالسيد الصمد” فيفهم القارئ أن الصمد صفة هنا، وُصف بها رجلٌ عظيمٌ من الناس، وهو خالدُ بنُ نَضْلَة، وأن هذه عادةَ العربِ في الكلام، وليس اسمًا خاصًّا بالله ولا يجوز إطلاقه على غيره، بخلاف اسم الله الأعظم “الله” مثلًا، أو اسم الله: “الرحمن” مثلًا.

ولتقوية هذا المعنى يُكمِل المؤلِّفُ استعراضَ هذا الاستعمال بقوله: “وأَنشد الجَوْهَري:

عَلَوْتُه بِجُسامٍ، ثُمَّ قُلْتُ لَهُ:*** خُذْها حُذَيفُ، فأَنْتَ السَّيِّدُ الصَّمَدُ”

ولو قُدر لمحشٍّ أن يقول لقال: قولُه “عَلَوْتُهُ بِحُسَامٍ” كناية عن قتله والظهور عليه، فالشاعر هنا قَدَرَ على عَدُوِّه، حتى كان سيف الشاعر(3) يَعلُو رأسَ العَدُوِّ، وهذا المقامُ مقامُ الانتصار، فإذا مَدَح فيه الشاعر عَدُوَّهُ فالمقصود التَّهَكُّم لا المدح؛ فلذلك أطار رقبته ثم قال له أنت السيد الصمد الذي تطاع في قومك ويَصْدُرُون عن أمرك، فلو كنتَ كذلك على الحقيقة لَمَنَعُوكَ مني، يا عزيزًا أَذَلَّه سَيْفي وبَطْشِي، وهو قريبٌ من قول الله تعالى لمن يتعذب بنار جهنم:

” ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ، ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ”(4) ففي البيت والآيتين عُلُوٌّ للمُهَيْمِن فوق رأس المقدور عليه، وإعمالٌ للبطش فيه، وإذلالٌ له بِذِكر ما كان فيه من مرتبةٍ مَرْمُوقةٍ قبل أن يصير لهذه الحالِ الدَّنِيئَة.
وبعد أن جاء ابن منظور بالاستعمال البشري للكلمة بل لمفهومها وبعض سياقاتها ولوازمها جاء بالاستعمال الإلهي لها قائلًا:

“والصَّمَد: مِنْ صِفَاتِهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ لأَنه أُصْمِدَتْ إِليه الأُمور فَلَمْ يَقْضِ فِيهَا غيره.”

وهنا لم يحتج أن يقول هو السيد المطاع، تلك العبارة التي تعزل القارئ عن القرآن، بل جاء من جنس الكلمة بفعلٍ مُعَلِّلًا بناءَ الكلمة على ما هي عليه من وزن صَرْفي؛ فقال لأنه أُصْمِدَت إليه الأمور، وشرح هذا بقوله: فلم يَقْضِ فيها غيرُه، فكان ذلك دالًّا على بداية الإحساس بصَمَدِيَّة الله تعالى.

وبالعودة إلى فكرة السيادَةِ والعبودَةِ؛ فيَظهَرُ أن القرآن العظيم عوَّل على سياقات عربية عريقة في القوم، كانوا يُدركونها بكل وضوح، فإذا خاطبهم الله بقوله: الله الصمد، وقع منهم المعنى في سُوَيْدَاءِ الفهم والوعي والإحساس؛ لِيَحيى بعد ذلك مَن حَيِيَ عن بينةٍ ويهلِكَ من هَلَك عن بينة، لا لِيحيى من حيي عن تقليدٍ بالوراثة ويهلِكَ من هَلَك عن تقليدٍ بالوراثة، والتقليد ممنوع عند المسلمين في باب الاعتقاد في الله تعالى.
فما علاقة الفقه بسياقات الجاهليين؟ وما علاقة ذلك بتفسير القرآن الكريم؟ وما علاقة التفسير بقضية الإيمان العظمى؟ وما الضلال والجهل والْمَسْخ العقدي والمعرفي الذي يضعنا فيه مطوِّر المناهج حين يحذف منها أحكام العبيد والإماء؟
هذا ما سيكون في الجزء الخامس إن شاء الله تعالى.

 

[1]ما بين المعقوفين من كلام حاتم الأنصاري لا من كلام ابن منظور الأنصاري، رضي الله عنهما.

[2] قال أبو الفرج النهرواني في الجليس الصالح الكافي والأنيس الناصح الشافي أنه خالد بن المفضل، تحقيق: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت، 2005، ص703. واختلفوا في قائل البيت، فنسبه الجاحظ في البيان والتبيين إلى امرأة من بني أسد، بتحقيق: عبد السلام هارون، ج1، ص180، وهي هند بنت معبد بن نضلة أشار إليها ولم يُسَمِّها البغدادي في خزانة الأدب، بتحقيق: عبد السلام هارون، ج11، ص269، وغيره، وقيل هو لسَبْرة بن عمرو الأسَدي.

[3] والشاعر هو عمرو بن الأَسْلَع كما في الوحشيات لأبي تمام، تحقيق: عبد العزيز الميمني الراجكوتي، وزاد في الحواشي: محمود محمد شاكر، ص122.

[4] الآية 48 و49 من سورة الدُّخَان، بفتح الخاء بلا تشديد.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك