حُمَّى الِاخْتَصَارِ فِي الْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ – الجزء الخامس- الفقه الإسلامي

19 أبريل , 2017

 

كيفَ سَنُرَبِّي طالبًا على عبادة الله وهو لا يَعْرِفُ ما مَنْزِلة العَبْدِ البشريِّ من السَّيِّدِ البشريِّ؟!

العبد عند العرب وفي الإسلام مَوْقُوفٌ على خِدِمَةِ سَيِّدِهِ، أَيْ: وقتُه كلُّه مصروفٌ لِخِدْمَةِ سَيِّدِه؛ ولهذا أَبْطَل رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- زَوَاجَ العَبْدِ بِدُونِ إذن سيدِه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أَيُّمَا عَبْدٍ تَزَوَّجَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَهُوَ عَاهِرٌ”[1]، وعلل الفقهاء ذلك بالقاعدة الشرعية الجليلة: الْمَشْغُولُ لا يُشْغَل، والعبد عند العرب وفي الإسلام لا يملك بنفسه شيئًا، وإنَّمَا العبدُ وما مَلَكَ لسيده.

وعلى هذا قَبِلَ مَنْ قَبِل من الصحابة الدخولَ في الإسلام لله تعالى، أيْ: عبادتَه وحدَهُ، وخِدْمَتَهُ وحْدَه[2]، وصَرْفُ وَقته له وحدَه، وعدم فعل أي تصرُّفٍ إلا بإذنه وحدَهُ، وهذا معنى لا إله إلا الله، ومعنى “وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا”[3] ومعنى “أَسْرَى بِعَبْدِه”[4] … إلى آخر ذلك من مقررات الاعتقاد الإسلامي.

وبغير معرفة العبادة الأرضية فهل يقوم في النفس تَصَوُّرٌ صحيح للعبادة السماوية؟!

ومن جهة أخرى فالعبادة عند العرب هي أعلى درجات المحبة؛ فهي فوق الْهُيَام والْغَرَام والعِشْقِ والْوَلَهِ والكَلَف وغيرِ ذلك، وكأن الله قد خَلَقَ الْحُبَّ في الأرض بين الرجل والمرأة حتى يدرك الإنسانُ ما الحبُّ؟ من حيث هو محضُ حُبٍّ، ثم يأتي خطاب الله تعالى للناس بِحُبِّ الله وعبادة الله؛ فلا يَصْعُب عليهم أن يفهموا المرادَ الإلهي؛ لأنهم ذاقوا الحبَّ الأرضي، ومَن ذاق عَرَف، ومن عَرَف اغترف، ومن حُرِمَ انحرف، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال الشاعر أبو إِسْحَق الْحُصْري[5] القَيْرَوانيُّ المتوفَّى في أواسط القرن الخامس الهجري في قصيدته المشهورة التي مَطْلَعُهَا:

يَا لَيْلُ! الصَّبُّ مَتَى غَدُهُ     أَقِيَامُ السَّاعَةِ مَوْعِدُهُ؟![6]

قال واصفًا محبوبتًه:

                    صَنَمٌ لِلْفِتْنَةِ مُنْتَصِبٌ      أَهْوَاهُ وَلَا أَتَعَبَّدُهُ

أي: أحبه على درجة هي دون درجة العبادة، فالعبادة أعلى الدرجات، ولم يُحصِّلْهَا الشاعر مع تلك المحبوبة.

وعارَضَه أحمد شوقي المتوفَّى في أواسِط القرن الرابع عشر الهجري أي بعده بِزُهَاء تسعة قرون من الزمان، في قصيدته المشهورة التي مطلها:

مُضْنَاكَ جَفَاهُ مَرْقُدُهُ      وَبَكَاهُ وَرَحَّمَ عُوَّدُهُ[7]

متكلمًا عن عَاذِلِه أي: لَائِمِهِ في غرامِه:

وَيَقُولُ تَكَادُ تُجَنُّ بِهِ      وَأَقُولُ وَأُوشِكُ أَعْبُدُهُ

انظر إلى هذا، ثم انظر إلى قول الله تعالى: ” قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ”[8] وقوله تعالى: ” وَمِنَ ال نَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ”[9] وغير ذلك من الآيات الكريمات التي تَصِف هذا المعنى، عندها سَيَضِحُ لك كيف تُرَبِّي دراسةُ الأَدَبِ العالي ذائقةً عاليةً حسَّاسَةً تَستطيع أن تُعايش القرآن العظيم والقيم الراقية الإسلامية؛ لتتمكن من نَفْسٍ مستويةٍ راسخة ذات هُوِيَّة لا نفسٍ سطحية تَنْطَلِقُ منها ألفاظُ العَجَم قبل ألفاظ العربِ عند التَّعَجُّب المفاجِئ والتَّأَسُّفِ المفاجِئ والغضب المفاجئ كالشَّتْمِ مثلا والانفعال وما أشبه ذلك؛ لأنها تحاكي الأعاجم الكفار قبل أن تحفظ ظاهر آياتٍ تَظُنُّ أن صَلاتَها تَصِحُّ بِها.

هذه هي علاقة الفقه بسياقات الجاهليين، الذين سبقوا الوحي بأعراف مجتمعهم هذا، فجاء الإسلام يهذب النظام لا يبني نظامًا جديدًا، فالقَسَامَةُ أسلوب قَضَائِيٌّ في الجاهلية والإسلام، وهو حُكْمُ الوَلِيدِ بنِ الْمُغِيرة كما هو حُكْمُ سِيدِنا رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- بكل تفاصيله.

فما علاقة الفقه الإسلامي بالنموذج المعرفي للمسلم في تعامله مع الكون وخالقه؟ هذا ما سيكون بحول الرب في الجزء القادم.

 

[1] أخرجه أحمد في مسند جابر بن عبد الله وفي هذا المعنى أحاديث أخرى.

[2] ليس في التعبير بخدمة الله أي مأخذ شرعي خلافا لما يتوهمه كثيرمن الناس، بل هو تعبير السلف الصالح عليهم الرضوان.

[3] من آية 36 سورة النساء.

[4] من أولى آيات سورة الإسراء.

[5]      واسمه بسكون الصاد لا بفتحها.

[6] من أعذب من غنتها فيروز.

[7] ومن أشهر من غناها الموسيقار عبد الوهاب وأنغام وغادة جرجي شبير

[8] آية 31 من سورة آل عِمْران.

[9] من آية 146 من سورة البقرة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك