حُمَّى الِاخْتَصَارِ فِي الْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ الجزء السادس- الفقه الإسلامي

1 مايو , 2017

تشهد الأحكام الفقهية على المذاهب الأربعة أن العبودية الأرضيةَ بين البشرِ بعضِهم بعضًا [أي: نظام الرق] يُعَدُّ نظامًا إسلاميًّا محترمًا له قواعده وضوابطه، وهذا لا يتنافى مع تَشَوُّفِ الشريعةِ للعِتْق، لا كَمَا يريد لنا الوَسَطِيُّونَ الجُدُد وحَامِلو حقائبِ الأجانِب وماسِحُو نِعَالِهم أن نَفْهَم، ولا كما يريد لنا الميثاق العالمي لحقوق الإنسان أن نفهم.

 

فلو كان الإسلام تَعَامَل مع هذا النظامِ تَعَامُلًا مؤقَّتًا لتصفيته وإنهائه في آخر الطريق لما فتح بابًا شَرْعِيًّا محترمًا لِلرِّق [أي: تحويل الأحرار عبيدا] هو باب الأسرى الذين يَقَعُون في أيدي المسلمين من الكُفَّار، وهذا مقرر عند الفقهاء، حيث تكون للأسرى أحكامٌ، منها الفداءُ، ومنها الْمَنُّ، ومنها القَتْلُ، ومنها الاسْتِرْقَاق.

 

ولا يجرؤُ الفقهاء على تغيير دين الله تعالى –حاشاهم- وهو سبحانه أيضًا الذي فتح لنا أبوابًا شرعيةً واسِعَةً من عتق العبيد في الكَفَّارَات وفي التطوع وفي أثناء الحياة كما في مصرِفِ الزكاة في الْمُكَاتَبِينَ وفي التَّدْبِير [أيْ: جَعْلُ السَّيدِ عبدَه حُرًّا دُبُرَ مَوتِ السَّيِّد، أي بِمُجَرَّد مَوْتِه] والتَّبْعِيض [أيْ كما لو اشترك اثنان أو أكثر في عَبْدٍ فأعْتَق أحدُهم نصيبًه فيه، وجب عليه استخلاص الباقي منهم بدفع ما بقي من الثمن للشركاء، فإذا لم يقدر على دفع ثمن الباقي من العبد لبقية الشركاء فيه، فيكون بعضُ العَبْدِ تَحَرَّرَ وبعضٌه ما زال في الرِّقِّ، كأنْ يَخْدِمَ سيدَه يومًا ويكون حُرًّا يومًا أو بِقَدْرِ أَنْصِبَاءِ الشُّرَكَاءِ] وغير ذلك.

 

كما تراوحت أحكام عِتْقِ العبيد في الإسلام، فكما كان منها العِتْقُ الواجب كما في بعض الكفارات، وكان منها العتق المندوب كما في التطوع، كان أيضًا منها العتق المكروه كعتق العبد الزَّمِنْ  أو الأمة الزَّمِنَة أي: الرقيق الذي لا يَقْدِرُ على كسب قوته لأنه مقعد مثلًا أو مشلول؛ فليس إعتاق العبيد شيئًا حسنًا دائمًا، ولم تدعُ إليه الشريعة دائمًا، بل نَهَتْ عنه أحيانًا؛ لأن المكروه منهي عنه؛ ولأن الله أعلم بما ينفع بني آدم، فَسَنَّ لهم قانونًا بنفسه، أمَّا وَهْمُ الْمِيثَاقِ العالمي لحقوق الإنسان؛ فليس من الإسلام في شَيْءٍ، فَأَيُّما شَيْئَيْنِ اخْتَلَفَا في بعضِهما فَهُمَا مُتَغَايِرَان، وليس مجردُ التشابهِ كالمماثلةِ، وإلا لكان الإسلامُ مماثلًا لكلِّ شرائع الأرضِ تقريبًا.

 

إن الفقه الإسلامي بتكامله يقدم صورةً كاملة للحياة، لا مكان فيها للتعاون مع المفاهيم الوافدة، ولا مكان فيها للتصالح مع الاستحسان العقلي الذي تقوم عليه الهيئة العالمية لحقوق الإنسان، والثقافة العالمية المدنية … إلى آخر ذلك الْهَرْف، والاجتهاد الفقهي ليس من ذلك في شيء، وإنما هو محاولة الفقيه اقتفاءَ أَثَرِ ما نَزَلَ من الأحكامِ؛ لِيَعلَم حُكْمَ ما جَدَّ من المسائل، بدون مشوشات مِنْ جِهَةِ: الثقافة العالَمية، والمواثيق الدولية، والتفكير الديمقراطي، وأَخْلَاط الشياطين.

 

وحاصل القول أن الإيمان بالله تعالى وخُلُوصَ العبوديةِ له، مُتوَقِّفٌ على إدراك مقامِ العبد من سَيِّدِه، وطريقة العبد في التعامل مع سيدِه، وهو منصوص الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز، حين قال على لسان المؤمنين: “أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ”[1] وقال: “الله الصمد[2] وقال: ” وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي…”[3] وقال: ” وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ[4] وقال: “وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ[5] وقال: ” وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا”[6] وقال: “إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ[7]. إلى أكثر مما يربو على مائة 100 موضع في القرآن ذُكِرَتْ فيه هذه العَلاقة بينه -سبحانه وتعالى- وبيننا.

 

وعَزْلُ الطالب عن أحكام العبيد يَعْزِلُه عن عمودٍ رئيسٍ في تصوُّرِ هذه العلاقة العَقَدِيَّة بين الرَّبِّ الصَّمَدِ والعَبْدِ الْمَمْلُوكِ، وبَقِيَ أن نلقي الضوء على الجوانب الأخرى غير العَقَدِية التي تَخْتَلُّ من حَذْف أحكام العبيد والإماء من المقررات الدراسية والمتون الفقهية المختصرة في الأجزاء القادمة.

 

[1] من آخر آيات سورة البقرة برقم 286.

[2] سورة الإخلاص آية 2.

[3] من آية 186 بسورة البقرة.

[4] من آية 207 بالبقرة ومن آية 30 في سورة آل عمران.

[5] من آيتين هما 15 و20 بسورة آل عمران.

[6] من آية 172 بسورة النساء.

[7] من آية 118 سورة المائدة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك