حُمَّى الِاخْتَصَارِ فِي الْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ – الجزء السابع- الفقه الإسلامي

9 مايو , 2017

من الجوانب التي لا تخطِئُها العينُ في تعليم أحكام الإسلام في العبيد والإماء جانبُ التربية الأخلاقية، في ضِمنِ تَصَوُّرٍ عامٍّ للحياةِ في قُوَّةِ نموذج معرفي كامِل، هو اختيار السماءِ لأَهْلِ الأرض “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا”[1].

الرحمة في النموذج المعرفي الإسلامي:

وحينما نذكرُ الرحمةَ في الإسلام فَلَيْسَ ذلك هو مفهومُ الأجانب للرحمة؛ ذلك أن المفهومَ الأجنبيَّ له حدودٌ مختلفةٌ يَقِفُ عندَها، هي من استحسان عقولهم وأهوائهم، ما أنزل الله بها من سلطان، ومنها حقُّ السلامةِ البَدَنِيَّة؛ حيث يُمنعُ الاعتداءُ على الإنسان –مهما كان جُرْمُهُ- بِقَطْعِ يَدِه وجَلْدِ ظَهْرِهِ، أما الله سبحانه فدِينُه شيْءٌ آخَر، والرحمة عندنا هي ما قرره الله تعالى فقط، ولا زيادة، ولْتَذْهَبِ استحسانات العقول واستِلْطَافاتِ الأهواءِ الْمُنْقَطِعَة عن الوحي إلى جحيم الشِّرْكِ بالله وتحكيم غَيْرِه في مُلْكِه.

فلو أَمَرَنَا الله تعالى بأن نَقْتُلَ أنفسَنا لكان ذلك عينَ الرحمة، كما قال عن غيرنا: “وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا، وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا، وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا”[2].

ولو أَمَرَنَا تعالى بِأَلَّا نَقْتُل مؤمنًا قَطُّ فهو عينُ الرحمة أيضًا، كما في قوله تعالى: “وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً…”[3].

ولو أمَرَنَا أن نستَأْصِلَ الكفار عن بَكْرَةِ أبيهم بِسَبَبِ كُفْرِهِم لا بِسَبَبِ الدِّفَاعِ عن النَّفْس أو المسلمين أو المسالمين لكان عينَ الرحمةِ أيضًا، كما في قوله: “وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ”[4].

ولو أمَرَنَا أن نَسْمُلَ أَعْيُنَ بَعْضِ بَنِي آدم ونتركهم أحياءً ونَمْنَعَهم من الماء لكان عينَ الرحمة أيضا، كما حصل في حادثة العُرَنِيِّينَ[5]، أو لو أمرنا بأن نقطع أيدي وأرجل بعض المسلمين ثم نقتلهم ثم نصلبهم ليراهم الناس وهم جُثَثٌ هامِدُةٌ معلَّقةٌ لكان عَيْنَ الرَّحْمَةِ أيضًا[6].

هذا لأن الرحمة عندنا هي ما أمر الله تعالى به فقط، فهو وحده الرحمن، ولا رحمن غيره، لا اسمًا ولا حقيقةً ولا مجازًا، وبهذا يكون المؤمنُ مؤمنًا، ومحاولةُ تأطير هذه الرحمة بالمصلحة خُرُوج على أَبْسَطِ قواعد الإسلام له تعالى، أي: التسليم له فيما حَكَم، واعتبار أنه تعالى الثابت الوحيد وأن كل شيء دون متغير بما في ذلك القيم العظيمة والخسيسة.

 

نتاج التربية على الرحمة الأجنبية

ومَن يربُّون أبناءهم على مفهوم الرحمة الغربية ثم يخلطون به رحمة الإسلام بالإنسان والحيوان ببعض القصص كما في كُتُب القراءة الآن، فإنهم يَكْذِبُونَ على الله ورسوله، ولْيَتَبَوَّأْ كُلٌّ منهم مقعده من جهنم، كما في الحديث الصحيح المتواتر بالإجماع: ” مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ”[7] والله يكتب ما قدموا وآثارهم وآثارهم وآثارهم، أي: وأبناءهم وأحفادهم وذريتهم إلى منتهاهم، ثم إليه مرجعهم جميعًا فيوفيهم عذابهم جزاءً وِفَاقًا.

إن الرحمة إذن في تصوُّر المسلمين ليست قيمةً مطلقة كما عند الأجانب، بل هي قيمة تدور مع أوامر الرحمن سبحانه، فلا يقال أين الرحمة في هذا الحكم، فالرحمة فيه أنه مرادُ الرحمن، ولا أحدَ مُخَوَّلٌ من قبله بتعليل أفعاله وَفق ميزان العقل البشري المحدود الشَائِل[8]، فإن الرحمة عندنا تَتْبَعُ الرحمن، والمصلحة فيما اختاره هو، وليس العكسَ.

وفي الجزء القادم يكون لنا لقاء مع باقَةٍ منتقاةٍ من أحكام الفقهاء التي تعلم الرحمة الحقة، الرحمة التي هي دين الله لا دينُ الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، تلكم الأحكام الفقهية التي حَرَمَ مُطَوِّرُ المناهج طلابَنَا أن يسمعوا بها، أو يَشَمُّوا رائحتها، واكتفوا بأن الإسلام ناصَبَ نِظَامَ الاسترقاق العداء، وهي كذبة أخرى على الله ورسوله.

 

 

[1] الآية 36 من سورة الأحزاب.

[2] الآية 66 إلى 69 من سورة النساء.

[3] من آية 92 بسورة النساء.

[4] آية 39 من سورة الأنفال.

[5] الحديث في مسند أحمد وفي البخاري ومسلم.

[6] وهو حكم الحِرابة.

[7] أخرجه الإمام أحمد في مسنده مرارا وهو في البخاري ومسلم.

[8] الميزان الشائل أي الطائش.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك