حُمَّى الِاخْتَصَارِ فِي الْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ -الجزء الثالث- الفقه الإسلامي

4 مارس , 2017

زَعَمَتْ بعضُ لِجانِ اختصارِ الْمُقَرَّرات الدراسيةِ للفقهِ الإسلاميِّ أنَّ مِن أهمِّ ما ينبغي فِعْلُه حَذْفَ أحكامِ العبيدِ والإماءِ وكُلِّ ما يَتصلُ بها؛ لأنها لم تَعُدْ تواجِهُ المسلمَ الآنَ، ونحنُ نُعَلِّمُه ما يحتاجُه في حياتِه، وعندَ الْمُتَلَطِّفِ منهم جَعْلُ ذلك حذفًا من الْمُتُون الابتدائية فقط دون المتوسطة وما بعدها، وفي الحق أن هذه اللجان لم تَلْتَفِتْ إلى عَدِيدٍ من الجوانب الخطيرة في هذه المسألة.

أعظم جوانب هذه المسألة هو الجانب العَقَدِي، حيث يتقاطع مع مسألة عبادة الله تعالى مباشرةً؛ ففي القرآن العظيم –يَا رَعَاكَ اللهُ- سورةٌ تعدل ثُلُثَهُ اسمُها سورةُ الإخلاص، أي إخلاص العبادة لله وَحْدَه، ثاني آياتِها “اللهُ الصَّمَدُ” والمعنى السطحي لكلمة “الصَّمَد” هو: السَّيِّدُ الْمُطَاع، والطالب لَفَرْطِ غَرَارَتِه وَجِدَّتِه على الحياةِ ومفاهيمِها وتصوُّراتِها الكُبْرى لم يَدْرِ بَعْدُ ما معنى السَّيِّد ولا ما معنى العَبْد، ولا يُمْكِنُه تحصيلُ تلك الدِّرَاية إلا بِالْمُرورِ على أَحْوَالِ العبيدِ الأَرِقَّاء؛ لِيتَمَيَّز منها أحوالَ السَّادَة الأحرارِ، ودرجاتِ الإنسانِ وَفْقَ ما يَعْتَرِيهِ من عبودِيَّةٍ وحُرِّيَّة؛ فَبَعْدَ إدراك الحدِّ الفاصِل بين العَبْدِ الْمَمْلُوك والسَّيِّد الْمَالِك، تأتي منازلُ أُخَرُ ودَرجَاتٌ كدرجاتِ أَلْوَانِ الْمَاءِ الْمُتقارِبة الْمُتداخِلَة، فيها تَتَغَيَّرُ على الإنسانِ الحالُ بَين العبوديةِ والحريةِ.

تِلْكُما العُبودِيَّةُ والحريَّةُ قيمتان كبيرتان، فمَبْدَأُ الكلام على عبوديةٍ أرضيةٍ وحريةٍ أرضيةٍ، يُنَاطُ بهما شَرَفُ الْمَرْءِ ارتفاعًا واتِّضَاعًا، وعُلُوُّ ذِكْرِهِ وَسُؤْدُدُه، وتَنْبَنِي على ذلك أنْظِمةُ حياته الاجتماعية والنفسية والمالية وغيرها، كإِتَاحَات الزواج، وما يمكنه حِيازَتُه من مَالٍ ومَتاع، وما يستَطيعه من تَصَرُّفٍ فيما فِي يَدِ نَفْسِه أو مالِ سيده، وما يجول بخَلَده من أحلام الفُرُوسية والظُّهورِ أو واقع الخدمةِ والانكسار، بل ما يتوقف على ذلك مما تَحَشُّمِ النِّساء عند لقائِهِ أو تَبَذُّلِهِم معه، بل كيف يقعُ عليه العقابُ، ويتعاملُ معه القاضي لو أَذْنَبَ، لما هو متقرِّرٌ من مَنْزِلَته.

وكل ذلك على مستوى العبوديةِ الأرضية والعِتْق الأرضي، فكيف إذا أردنا للطالبِ أنْ يَعِيَ ذلك على مستوى العبوديةِ السماويةِ والحرية السماويةِ، وماذا لو دَخَلَ حِسَابُ الآخرةِ التي هي بلا نهاية زمنية في مُعادلَة الأرض الأُولَى؟!

ثم نريد للطالب أن يدرك ما يُناط بكل تِلْكُم الأبعادِ من تصوِّرِه تُجاهَ عَبْدِ الدِّرْهَمِ وعَبْدِ الدينار؛ إذا سمعَ حديثَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونُريد للطالب أنْ يَتَصَوَّرَ موقِفَ الإِسلامِ من اسْتِرْقَاق الأحرارِ الجائزِ منه شرعًا والممنوعِ، وتعاملِ الإسلام مع كل لوازم هذا الْمِلَف، إلى أن يُدْرِكَ أهمَّ جزءٍ فيه، وهو وصف الله تعالى لنفسِه بأنه الصَّمَد، بل هو اسم من أسمائه الحسنى التي يدعوه بها، بالإضافة إلى كونِه صفة له سبحانه.

أيُّ فَهْمٍ هذا يُمكن للطالب أن يَفهمه لو عَزَلْنَاه عن كل هذه المنظومة؟!! قل لي –بِرَبِّك- قل لي؟!

مَحَلُّ دراية الطالب بالمستويات الجاهلية الأرضية الضروريةِ لذلك يكون في دراسة الأدب، ويا بُعْدَ الرَّامِي والرَّمِيَّة! ويا طَيْشَ الشيخِ والعَجُوزِ والصبيِّ والصبيَّة! فلَمْ يَعُدِ الأَدَبُ الذي نُدَرِّسُه الآن يَمُــــرُّ على أحوال العَرَب وطرائقِ معايِشِهم ومآكِلِهم ومشاربهم وأيَّامِهم وفُرسانهم وقَصَصِهم وهَلُمَّ جرًّا، ولكنه صار يتكلم عن الصدق والأمانة والعدل والفَطَانَة وما لا صلة له بالأدب ألبَتَّه، فمن أين سيتعلم الطالب هذه الكلمة في كتاب الله؟! بل هذا المفهوم في التعامل مع الله؟! بل هذا الأمر الذي هو عين العبادة لله تعالى؟!

هذا إذنْ حديثُ الْجُزْء الرَّابع بالْمَشيئة.



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك