حُمَّى الِاخْتَصَارِ لِلْمُتُونِ التَّعْلِيمِيَّةِ الجزء الثاني- الفقه الإسلامي

25 فبراير , 2017

أشرنا في الجزء الأول إلى أن المختصَر له طرفان يتحكمان في كمه وكيفه، ويهيمِنَانِ على انتشاره بين الناس واعتمادِه في الجماعة العلمية عند التدريس، أولهما المختصِر وتأهُّلُه لهذا العمل، والآن جاء موعد الطرف الثاني، وهو عيون أهل التخصص.

كَمْ مِنَ المختصَرات أُلِّفَ! لكن خَلَتْ منه كلُّ السَّلالمِ التعليمية أو جُلُّها في العالم العربي الإسلامي في شَتَّى العلوم، فلا أَحَدَ يُقْرِئُه الطلابَ في تعليم هذا العلم، هذا يعني أن عواملَ عديدةً أثَّرَتْ على شُيوع المختصُرات التي تركها لنا علماء كامِلُو العالِمية.

وهذا جانب آخر من فَلَاح الأمة، فليس كلُّ ما يُطرَح يُقْبَل ويشيع، ولو كان طارحُه مكتَمِلَ العالِمية؛ لأن عيون أهلِ التخصص تتَربَّص بكل جديد وقديم، وتعيد النظر، ويمثِّل كلُّ جيل من العلماء نفسَه واختياره قبل كل شيء؛ لأن القاعدة الحاكمة الحاسمة: و”كلكم آتِيهِ يَومَ القيامَةِ فَرْدًا” فَلْيُحَاجِجْ كلُّ أحدٍ عن نفسه، وهذا يجعل الجماعةَ العلمية المتجددةَ مع الزمان تقبل متنًا تعليميًّا جديدًا للمبتدئين.

هذا المتن أقربُ إلى روح العصر؛ لما فيه من مسائلَ معاصرةٍ وإسقاطات مناسبة وأمثلة مقارِبة، وأقربُ إلى روح البحث الذي انتهى إليه التراكم المعرفيُّ؛ فقد يعتمد المتوسِّطُون رأيًا في الْمَذْهَب مختلفًا عن رأي المتقدمين، وقد يعتمد المتأخرون رأيًا في المذهب يختلف عن المتوسطين والمتقدمين جميعًا، وهكذا دَوَالَيْكَ، فلِكُل عصر طَعْمُهُ في متون أصحابه وشروحهم التعليمية.

إنَّ ما جعل كتاب البخاريِّ ومسلمٍ لهما ما لهما من مكانة عند المسلمين ليس سببًا سياسيًّا أو اجتماعيًّا أو اختيارًا شعبيًّا، وليس تلقي الأمة لهما بالقبول، فالديمقراطية لا تفيد علمًا ولا تمثل ذائقةً علمية، ولكنه تلقِّي أهلِ العلم له بالقبول، كما نص على ذلك ابنُ حَجَرٍ العَسْقَلَانيُّ في مواضعَ عديدةٍ لا سيما في “نُزْهَة النَّظَر” في شرح “نُخْبَة الفِكَر”.

ونخبة الفكر هذا هو المتن الذي ألَّفَه للطلاب وقرأَهُ لهم، ثم قَبِلَهُ منه أهلُ مصطلح الحديث في عصره، وشرحَهُ بعضُهم، ثم حين وَجَدَ له هذا الرَّواج الْمُؤْذِنَ باتخاذه معتمدًا اعتمادًا بالعقْل الْجَمْعِي عند المؤسَّسَةِ التعليمية التي هو فيها، قام بشرحه للمبتدئين أيضًا، وصار الآن من أفضل ما يُبْدَأُ به في تعلم مصطلح الحديث عند السادة المحدثين.

وأين واقعنا من هذا؟

أما الآن فالمطورون الحكوميون يعتمد كتبَهُم لجنةٌ منتقاةٌ، لا يمثل كلُّ عالمٍ فيها نفسَه ولا علْمَه، بل يمثل المنهجية التي وُضِعَتْ له لِيُطَوِّر على أساسها؛ وأكبر دليل على ذلك أنه لو لم يتعاون مع زملائه في اللجنة على تطبيق المنهجية المرسومة له فسيُستغنى عنه، وما أكثرَ حَمَلَة الألفاتِ والدالاتِ الذين يوظِّفون أقلامهم بزهيد الأسعار، ولو كان الأمر دينًا!

ثم تُجَلَّلُ المقررات الدراسية [المختصَرات في تسميتها التربوية المعاصرة] بأختام حكومية تسمح بطباعتها وتوزيعها وإلزام المعلمين بها، وهذا مما يفتح بابًا كبيرًا للتساؤل: وهل استقرأَتِ اللجانُ حركة الاختصار الهادفة للتعليم في الأمة العربية الإسلامية وطرائقَها وأساليبَها في ضوء ظروف كلِّ عصر من عصورها، لكل علم من العلوم على حَدَةٍ، حتى تستخرج منها معيارًا تواجِهُ به الأمَّة لِمَا ينبغي أن يُحذف وما ينبغي أن يَبقى، والطريقةِ التي ينبغي أن يبقى بها؟!

ولو كان ذلك قد حصل –ولا أحسِبه حصل- فهل استُقرِئَت هذه المادةُ من المختصرات وطرائق أداء المسألة فيها بجوانبها الوجدانية والمهارية والمعلومية كما استُقرِئَتْ طرائقُ الأعاجم الكفرة التي أوْسَعُونَا صُرَاخًا عن ضرورة الانتفاع بخيرهم لا بشرهم، وطلب الفائدة عندهم دون الضرر، وضرورةِ الانفتاح على الآخر، وتوسيعِ الأفق، والباذِنْجَانِ الْمُخَلَّلِ؟!

ولو جابهتَ رئيسًا لإحدى هذه اللجان –وقد حَصَل- لطالَبَكَ في الثقة في العلماء المعاصرين [الذين استَنْفَدَ أكثرُهم رصيده من الثقة عند الناس] وأخبرك أنهم على اطلاع على حركة الاختصار العربية المسلمة، وهذا كلام عامٌّ طيبٌ، لكن الاطلاع شيءٌ، والبحث المنهجي الجادُّ لهذه المختصرات والمختصرِيها واستخراج الدوافع والطرائق والمتروك والمذكور والنِّسَب المئوية لكل ذلك شيءٌ آخر؛لأن المسألة على ما يبدو مسألة لجنة وأُجْرة أو مَنْصِب، لا مسألةُ هُوِيَّة وأمة ودين، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

لَا تُطَوِّرُوا مَنَاهِجَنَا .. شَلَّتْ أَيْدِيكُمْ جَمِيعًا. [وشَلَّتْ بفتح الشِّين]



شاركنا رأيك

مقالات متعلقة

أضف تعليقك